فهرس الكتاب
(1) فإن الجهمية ينفون محبة الله، ويقولون: بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليما.
زعم ذلك إمامهم الجعد بن درهم، وحين اشتهرت مقالته في الآفاق، انتدب لرد كيده وضلاله أئمة الهدى ومصابيح الدجى فبيَّنوا هذا الضلال وهذا الانحراف، وحين لم يجدي فيه هذا الأمر وكابر فيما دلت عليه الأدلة السمعية وتجاوبت معه الفطر، قام عليه خالد القسري، وقام في الناس خطيبا وقال:
(( يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله ما اتخذ إبراهيم خليلًا ولا كلم موسى تكليمًا ) )وإلى هذا المعنى أشار ابن القيم رحمه الله في نونيته بقوله:
وقد ضحى بجعد خالد الـ ... قسري يوم ذبائح القربانِ
إذ قال إبراهيم ليس خليله ... كلا ولا موسى الكليم الدانِ
شكر الضحية كل صاحب سنةٍ ... لله درك من أخي قربانِ
وأسانيد قتل خالد القسري للجعد بن درهم فيها جهالة، غير أن هذه الحكاية مشهورة، وقد رواها بالإسناد الإمام الدرامي رحمه الله في الرد على الجهمية، وهو قريب العهد من ذلك، وتارة الشهرة والاستفاضة وتلقي الحفاظ لمثل هذه الأمور مغني عن الأسانيد.
والمقصود البيان لأن من نفى رحمه الله ومحبته ورضاه وغضبه فإنه ما قدر الله حق قدره.
والطريق الصحيح في هذا الباب: أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، الله جلا وعلا أثبت لنفسه الرحمة، قال {الرحمن الرحيم} ، وأثبت الله جل وعلا لنفسه المحبة {يحبهم ويحبونه} وقال {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ، وأثبت الله جل وعلا لنفسه الرضا فقال {ورضوانٌ من الله أكبر} وقال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} ، أثبت الله جل وعلا لنفسه الغضب فقال: {غضب الله عليه} وقال: {غير المغضوب عليهم} ، من الذي غضب عليهم؟! هو الله جل وعلا.
وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنَّ رحمته سبقت غضبه) .