فعندهم من قام بمعرفتها على النحو الذي فسرناها به لغةً وشرعًا، مصدرًا وموردًا استقام له معرفة حكمة العبادات وغايتها، وعَلِمَ أنها هي الغاية التي خلقت لها العباد، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب وخلقت الجنة والنار (2) .
وقد صرح سبحانه وتعالى بذلك في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (3) ، فالعبادة هي التي وجدت لأجلها الخلائق كلها، كما قال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} أي مهملا (4) ، قال الشافعي رحمه الله: لا يؤمر ولا ينهى (5) ، وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، وهما تفسيران صحيحان فإن الثواب والعقاب مترتب على الأمر والنهي، والأمر والنهي هو الطلب للعبادة وإرادتها (6) ، وحقيقة العبادة امتثالهما (7) ، ولهذا قال تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا} .
(1) فإذا قيل الإله فهو المعبود ولا ينفك هذا عن هذا إلا كانفكاك العطاء عن الجود والأصوات عن السمع والإحسان عن الرحمة، فهذا من متعلقاته ومن موجباته ومن آثاره ومقتضياته.
(2) تقدم أن الحكمة من الخلق هي العبادة، وأن الله جل وعلا ما خلق إلا لحكمة ومصلحة قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فمن عرف ما جاءت به الرسل استقام له معرفة حكمة العبادات وغايتها.
(3) العبادة هي الغاية التي خلق لها الخلق كلهم ومعنى يعبدون: أي يوحدون، وقال جماعة إلا لآمرهم وأنهاهم ولا تنافي بين الأمرين، فمن الأوامر الأمر بالتوحيد ومن النواهي النهي عن الشرك.
(4) وهذا قول ابن عباس وقتادة.
(5) وهذا منقول عن مجاهد رواه عنه عبد ابن حميد وابن المنذر.
(6) فلا تنافي بين هذه الأقوال فآخريتها ترجع إلى أمر واحد.
(7) أي الأمر والنهي وهذه هي حقيقة العبودية، فإن حقيقة العبادة امتثال الأمر والنهي، ومن شرد عن ذلك ولو أدى العبادات الظاهرة فلا تسمى عبادةً صحيحة حتى يمتثل الأمر والنهي.
(8) {ما خلقت هذا باطلًا} فيه إثبات صفة الخلق لله جل وعلا ومن أسمائه جل وعلا الخالق والله جل وعلا هو الخلاق العليم، فهؤلاء يتفكرون في خلق السماوات والأرض يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلًا وحقيقة هذا أن يتمثل الأمر والنهي في العبودية وأن نمتثل الأمر والنهي في حياتنا وفي عباداتنا فلا نخالف أمر الله ولا نرتكب نهيًا.