فهرس الكتاب
فأصل العبادة محبة الله، بل إفراده تعالى بالمحبة، فلا يحب معه سواه (1) ، وإنما يحب ما يحبه لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته (2) ، لأن محبتهم من تمام محبته، وليست كمحبة من اتخذ من دونه أندادًا يحبهم كحبه (3) ، وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه (4) ، فعند اتباع الأمر والنهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة.
(1) السبب أنه ليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى وقد تقدمت الإشارة إلى أن العبادة تتضمن معنى الذل ومعنى الحب وأصل العبادة إفراده حل وعلا بالمحبة.
(2) والصالحين من عباد الله نحب هؤلاء ونواليهم.
(3) وقد أشار العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي إلى أربعة أنواع من الحب وذكر أنه يجب التفريق بينها وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها. أحدها: محبة الله تعالى وهذه لا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه فإن المشركين وعبَّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله تعالى. الثاني: محبة ما يحبه الله وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها، والناس يتفاوتون في هذه المرتبة وكلما قوي إيمان العبد وزاد يقينه وقويت محبة الله في قلبه، كلما قويت محبة ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) وهذا الخبر متفق على صحته، فقوله: (( وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ) )خرجت بذلك المحبة الدنيوية والمحبة الطبيعية لأنها غير داخلة في هذا التقييم. القسم الثالث: الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحبه الله ولا تستقيم محبة ما يحبه الله إلا بالحب فيه وله. القسم الرابع: المحبة مع الله وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندًا من دون الله. القسم الخامس: المحبة الطبيعية وهي ليس مما نحن فيه وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه كمحبة الزوجة والولد والماء للعطشان ونحو ذلك.
(4) تقدم قبل قليل بأن أصل العبادة إفراده تعالى بالمحبة، وتقدم أن محبة الله لا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه لأن المشركين يحبون ربهم والمحبة التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر هي محبة ما يحبه الله، وأحب الناس إلى الله وأقربهم إليه.
أقومهم في هذه المحبة والمحبة له وهي حقيقة عبوديته وسرها لا تتحقق إلا بأمرين: