(1) لأن المشركين قد آمنوا بتوحيد الربوبية في الجملة، ومفرق الطرق بين الرسل وأتباعهم وبين أعدائهم هو في توحيد الإلهية، فإن الأنبياء كلهم جاءوا بتوحيد الإلهية ودعوا الناس إلى ذلك ولم يذكر الله في القرآن عن نبي من الأنبياء أنه جعل يقرر من خلق السموات والأرض أو من أنزل المطر أو من أنبت النبات، وإنما يحتجون عليهم بهذا التوحيد على وجوب الإيمان بالله وأن من فعل هذا فيجب الإيمان به، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، {أن اعبدوا الله} أي أفردوا الله جل وعلا بالعبادة وخصوه بذلك.
فلو عَبَدَوا الله وعبدوا معه غيره لم يكونوا مؤمنين، كما قال الله جل وعلا عن طوائف من المشركين {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قيل: إن الإيمان في هذه الآية هو مجرد التصديق {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} أي وما يصدق أكثرهم بالله إلا ويشركون بعد ذلك لأنه لا يجتمع الإيمان والكفر الأكبر في آنٍ واحد، إذًا لا يمكن أن يكون الإيمان هو الإيمان الشرعي لأن هذا الإيمان هو الإيمان اللغوي كما في قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق لنا بدليل أنهم يقولون في تلبيتهم: (( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ) )، وقيل: إن الإيمان في قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم} هو الإيمان الشرعي ولكن حين يؤمنون يكفرون بعد ذلك فلا يستقر الإيمان في قلوبهم، ولهذا لا يجتمع إيمان وكفر أكبر. لا يمكن هذا أبدا، لا يمكن فلان فيه إيمان ومؤمن بالله وموحد لله ولكنه عنده شرك أكبر، هذا لا يمكن أبدًا، ولا يجتمع في قلب العبد إيمان مطلق وكفر أكبر، يجتمع في العبد إيمان بالله وشرك أصغر لكن هذا الإيمان يكون ناقصًا، وعلى حسب وجود الشرك في قلبه ينقص الإيمان غير أن الشرك الأكبر يذهب الإيمان بالكلية، لأن الشرك الأكبر يوجب الخلود في النار، غير أنه قد يجتمع توحيد الربوبية وكفر أكبر كما اجتمع هذا في المشركين قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولون الله} يعتقدون بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء ويعتقدون بأن الله هو محي الموتى وأنه على كل شيء قدير، وأنه هو المعبود الحق لكن يشركون معه غيره بدليل أنهم إذا أصابتهم نكبه أو وقعوا في شده لجئوا إلى الله مخلصين له الدين، كما قال تعالى: {وإذا غشيهم موجٌ كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} الله جل وعلا أخبر أنهم إذا غشيهم موج من البحر وإذا غشيتهم الظلمات وإذا ماجت بهم البحار وإذا وقعوا في الملمات والشدائد دعوا الله مخلصين له الدين في هذا دليل أنهم يعلمون أن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه