فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 381

الباطل ولكنهم يعتقدون إما كَذِبَ الرسل، من أسباب كفرهم أنهم يعتقدون كذب الرسل، وأن الله ما بعث إليهم بشرًا يدعوهم إلى الله، وأنا لا نعلم صدقه وأنه يفترى على الله الكذب، أو أنهم يقولون: هذه وسائط مع الله كما قال عنهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} غير أن هذا التوحيد لا يدخلهم في الإسلام ولا ينفعهم ولا يخلصهم من عذاب الله جل وعلا وإن كانوا يعتقدون بأن الله هو المعبود الحق ولكن يعبدون معه غيره.

فإن قال قائل: لو كانوا فعلًا يعلمون أن الله هو المعبود الحق لماذا يعبدون معه غيره؟

فنقول إذًا ما الجواب: أنهم يخلصون لله في زمن الشدة لو لم يكن هذا الاعتقاد مستقر في نفوسهم ما أخلصوا لله في زمن الشدة، لأنهم ما جاءتهم رسل في زمن الشدة بالذات: ثم دعوهم إلى الله فآمنوا ثم تغيروا فيما بعد، لكن هذا كان مستقرًا في نفوسهم ومستقرًا في قلوبهم، ولكن الذي يمنعهم من إفراد الله بالعبادة هي أمور:

الأمر الأول: اعتقاد كَذِبَ الرسل وهذا لا ينفعهم وليس عذرًا لهم بل هم كفار لا شك في ذلك.

الأمر الثاني: الأطماع الدنيوية.

الأمر الثالث: الحسد كما صنعت يهود لأنهم يعملون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الحق وأنه رسول من قِبَلِ الله ويعلمون ما هم عليه من الباطل ولكن لا يمنعهم من الانقياد سوى الحسد فقط.

ومن ذلك أيضًا حب الرياسة، ومن ذلك أيضًا المكابرة والإعراض كما قال الله عنهم {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} إذًا لا يمكن أن نجد رجلًا بلغته دعوة الرسل وأنزلت عليه الكتب وقرأها أن يكون معتقدًا بأن الآلهة هي التي تنفع وتضر وهي المعبودة حقا دون الله جل وعلا بل يجعلون لله نصيبا وللآلهة نصيبا. وهذا واضح من كتاب الله ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن اتفاقات أهل العلم المنقولة في هذا الباب. وسيأتي إن شاء الله زيادة توضح لهذا القضية فقد قال الله تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوا} قال تعالى: {فلما جاءتهم رسلنا بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} أي أن الله لما بعث رسله وأنزل كتبه وتلقت البشرية هذه الدعوات، منهم من تلقاها بالقبول ومنهم من عارضها، منهم من عارض بالعلم {فرحوا بما عندهم من العلم} وهذا العلم لو كان علمًا نافعًا لدلهَّم على الحق ولأرشدهم إلى الإذعان بما جاءت به الرسل، فإن ما جاءت به الرسل يوافق العقول السليمة، فلهذا لا يصح وصف المشرك بالعاقل ولا وصف الضال بالعقل إذ لو كان هذا فعلا عاقلًا لوحد الله وأفرده وآمن بالله، فإن حقيقة العقل الإيمان بما جاءت به الرسل، ولهذا سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا الحكم سماه أبا جهل، لو كان عنده شيء من الحكمة وشيء من العقل لآمن بالله وأي فرق بين الإيمان بالله وعبادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت