فهرس الكتاب
في قوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداد يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله} . فلما سووا غيره به في هذا التوحيد كانوا مشركين، كما قال الله تعالى: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي يسوون غيره به ....
(1) المؤلف رحمه الله ذكر هذه الآية ليبين أن شرك المشركين كان في إنكار توحيد التعظيم والمحبة.
قوله: {يحبونهم} قيل: يحبونهم أي يحبون أندادهم وأوثانهم كما يحبون الله فحينئذٍ يكون قد أثبت الله جل وعلا لهم محبة فتكون محبة الله ثابتة لهم لكن في هذه المحبة شركًا.
القول الثاني: يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون ربهم هذا التقدير الثاني لهذه الآية.
وقد رجح شيخ الإسلام وطوائف من المحققين القول الأول لأنهم إنما ذُموا حين سوَّوا محبة الأوثان والأنداد والمخلوقين بمحبة الله جل وعلا.
(2) قوله: {والذين آمنوا أشد حبًا لله} في تفسيرها قولان لأهل العلم أيضًا:
القول الأول: والذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها دون الله تعالى. القول الثاني: والذين آمنوا أشد حبًا لله من محبة المشركين للأنداد لله.
(3) ولا يعني هذا أنهم لو أثبتوا التعظيم لله والمحبة صاروا مؤمنين مخلصين لله، لأنهم كانوا يتحاكمون لغير شرع الله، وكانوا بنذرون لغير الله، وكانوا يذبحون لغير الله، وكانوا ينكرون الرحمن ويقولون وما الرحمن كما قال الله تعالى عنهم: {وهم يكفرون بالرحمن} ولكن ملخص شركهم كان في هذا الجانب الذي لو آمنوا به وأقروا به لأدَّى بهم الأمر إلى الإيمان بغيره.
فإن العبد الآن حين يعظم الله ويحب الله ولكنه لا يحكم بشرع الله، أو لكنه ينذر لغير الله أو لكنه يذبح لغير الله أو يعبد قبرًا أو وثنًا فإنه مشرك ولا ينفعه دعواه المحبة لله جل وعلا.
(4) الشاهد من سياق الآية قوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} .
(5) وقد قال ابن جرير وغيره في تفسير قوله جل وعلا: (يعدلون) أي يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وقال مجاهد: (يعدلون) أي يشركون.
وهذه الآية تأتي على جميع الكفار والمشركين من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وغيرهم من طوائف الكفر فكلهم قد عدلوا بالله غيره غير أن الكفر يتنوَّع في هذه الطوائف المنحرفة فبعض الطوائف يكون كفرهم بعدم الإيمان بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وبعض الطوائف يكون كفرهم بعبادة القبور والأوثان وبعض الطوائف يكون كفرهم بالتثليث وبعض الطوائف يكون كفرهم بعادة الهوى والشيطان وبعض الطوائف يكون كفرهم بتحكيم غير شرع الله.