(1) من أين أخذنا من {ملك الناس} الخلق والأمر؟!
قوله: {ملك الناس} إذًا فيه إثبات الخلق لوجود الناس، إذًا فيه أناس مخلوقون.
وقد تقدم أن من معاني الملك الآمر الناهي يفسر ذلك قوله: {ألا له الخلق والأمر} .
(2) قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} "له": أي لله"الخلق"وهذا عام في كل المخلوقات، ويشمل أفعال العباد،"والأمر"قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
والأمر قسمان: أمر كوني قدري، والآخر أمر شرعي ديني.
وفي قوله: {ألا له الخلق والأمر} في هذه الآية مئات الفوائد أذكر بعضها:
فيه إثبات توحيد الربوبية، وفيه إثبات توحيد الإلهية، وفيه الرد على القدرية، وفيه الرد على المجوس، وفيها التفريق بين الخلق والأمر، فيها الرد على الجهمية وسائر الطوائف المنحرفة التي لا تفرق بين الخلق والأمر فتجعل كلام الله مخلوقًا تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، فإن الله فرق بين الخلق وبين الأمر فالخلق خلق، والأمر أمر، وفيه أيضًا إثبات صفة الكلام لله جل وعلا، قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول} وقال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليمًا} ، {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} ، {منهم من كلم الله} ، {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه الله} .
(3) أي الجواب: فإذا كان ربًا موجدًا وملك مكلفًا فيجب أن يحب وأن يرغب إليه فقد جبلت النفوس، على حب من أحسن إليها، إلا أهل الكفران فلا يشكرون المعروف، ولا يضعون صنائع المعروف مواضعهًا، حين يصنع المخلوق إليك معروفًا يسيرًا لا يساوي نعمةً من نِعَم الله عليك، تثني عليه وتمدحه وتحاول أن تكافئه. الله جل وعلا الذي أعطاك سمع وأعطاك بصر والقوة وأوجدك من العدم وأعطاك الإرادة والعقل والقدرة ومع هذا تعصي الله وتستعمل هذه المخلوقات لمعاصي الله، الله جل وعلا حين خلقك وأوجدك لتعبده، وأنت ما شكرت الله جل وعلا بل كفرته حين صرفت هذه الجوارح إلى عبادة القبور والأوثان وطاعة المخلوقين دون الله جل وعلا. إذًا الذي يعتقد بأن الله هو الرب الموجد يجب عليه أن يحبه وأن يفرده بالعبادة وإلا ما شكر الله بل كفره.