(1) تقدم الحديث عن هذه المقامات، وأن الناس في عبادة الله تعالى والاستعانة به على أربعة أقسام وأجل هذه الأقسام وأفضلها أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فإن الله جل وعلا يقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} ومنزله العبد عنَّد ربه بقدر ما يحقق معنى هاتين الكلمتين، فإن الناس يتفاوتون في تحقيق مقام هاتين الكلمتين كتفاوتهم أو أعظم في خلقهم وأشكالهم ونحو ذلك.
(2) وهذه الطرق قد تكون منهجًا لفئة وطائفة، وقد يكون منهجًا لفئة معينة، وقد يكون التطبيق فرديًا، فلا يمكن نسبة هذا إلى فئة وإلى جماعة، ولكن يُعرف عن أشخاص وعن فئام تتباعد أقطارهم وتتباين غاياتهم ومرامهم.
وهذه الطرق في بعضها انحراف وابتعاد عن السنة وفي بعضها صواب فيه شيء من الدخن، وفي شيء منها حق محض، وفي شيء منها محل اجتهاد وتفصيل فليس كل من عَبَد الله وآثر رضاه على غيره صار مصيبًا من كل وجه، فإن الشيطان لا يضره بأيهما ظفر من الإنسان بإفراط أو تفريط، والشيطان يفتح للعبد أبوابًا كثيرة من أبواب الخير ليدرك بذلك بابًا واحدًا من أبواب الشر يفسد عليه ما سبق.
والحرص على الخير والحرص على العبادة ليس هو هذا نهاية الأمر وليس هذا هو الدين كله، فكم من مريد للخير لم يصبه.
والأمة بحاجة إلى أناس يحبون الخير ويؤثرونه ويقدمونه على شهواتهم وعلى أهوائهم وفي نفس الوقت يتقيدون بقيود الشرع وبضوابطه، وينطلقون من العلم الذي يميزون به بين الحق وبين الباطل فهؤلاء هم غرة المسلمين وهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وهم يتفاوتون في تطبيق هذا المنهج المبني على العلم والعمل.
لأن العلم بدون عمل لا ينفع، والعمل بدون علم لا ينفع، وأنت تقول في كل صلاة: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} .
والمغضوب عليهم هم اليهود معهم علم ولم يعملوا به، والضالين النصارى يعبدون الله على جهل، فأنت في كل صلاة تسأل الله أن يجنِّبك طريق هاتين الملتين الضالتين.
وقد قال بعض السلف: (( من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى ) ).