فهرس الكتاب
فأخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق المتضمن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، فإذا كانت السماوات والأرض إنما خلقت لهذا، وهو غاية الخلق فكيف يقال: إنه لا غاية له ولا حكمة مقصودة؟ أو إن ذلك لمجرد استئجار العمال حتى لا يتكدر عليهم الثواب بالمنة (3) ، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية وارتياضًا لمخالفة العوائد (4) ، وإذا تأمل اللبيب الفرق بين هذه الأقوال (5) ، وبين ما دل عليه صريح الوحي (6) ، علم أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته (7) ، الجامعة لكمال محبته مع الخضوع له، والانقياد لأمره (8) .
(1) أي بالعدل وبالحق المتضمن أمرة ونهيه وثوابه وعقابه.
(2) فيه إثبات البعث وفيه إثبات الجزاء والحساب وفيه إثبات الأمر والنهي لأنه كيف يتم الجزاء والحساب، وهؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار إلا بسبق أوامر ونواهي وحقيقة العبادة امتثالهما.
(3) كقول القدرية وقد تقدم الرد عليهم.
(4) كما هو قول الصوفية وقد تقدم أنهم طوائف ولكن من اعتقد هذا الاعتقاد وقال بهذا فهو أضل من حمار أهله.
(5) أي الأقوال المنحرفة والأقوال الضالة وهذه الأصناف الأربعة.
(6) وهو القسم الرابع فقط دون الأقسام السابقة.
(7) فإن الله جل وعلا ما خلق الخلق من قلة فيستكثر بهم، ولا من ضعف فيستنصر بهم ولا من وحشة فيستأنس بهم خلق الله جل وعلا الخلق لعبادته.
(8) فإذا تخلف أحد هذين الأمرين المحبة مع الخضوع والانقياد للأوامر فلا تسمى هذه العبادة عبادة، ولا يصح توحيد المرء والناس يتفاوتون في منهم ما هو مسلوب هذا بالكلية ومنهم من هو ناقض ومنهم استوفى هذا، وهم مراتب متفاوتة.
فالعبادة هي محبة الله وإفراده بالمحبة وطاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه فالله جل وعلا خلق الجن والإنس للعبادة أي ليقوموا بالعبادة، فمن أطاع جازاه الله جل وعلا بجنة عرضها السماوات والأرض، ومن أبى وعصى فقد خلق الله النار وخلق الله لها أهلهًا، وقد جاء في البخاري من حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى!! قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)