والطائفتان منحرفتان (1) .عن الصراط المستقيم، وهو: (2) أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب (3) ، والأعمال الصالحات من توفيق الله تعالى وفضله، وليست قَدْرًا لجزائه وثوابه (4) ، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه (5) ، أن تكون شكرًا على أحد الأجزاء القليلة من نعمة سبحانه.
فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا لهم من أعمالهم (6) .
(1) أي الجبرية والقدرية ولا بأس بأن يقال الجَبَرية بالفتح إذا قرنت بالقدرية تخفيفًا على اللسان، وإلا فالأصل الجَبْرية بالسكون.
(2) أي الصراط المستقيم.
(3) أو العقاب أيضًا إلا إذا قيِّدت الأعمال بالصلاح وتوفرت فيها الشروط وانتفت الموانع.
(4) لأنه لو وضعت نعمة من نعم الله في مقابلة عمل العبد طول حياته دون أن يفتر ودون أن يقصر لما ساوى عمله نزرًا يسيرًا من هذه النعمة.
(5) أي إذا وقعت العبادة على أكمل الوجوه على ما نحن فيه من التقصير والتفريط.
(6) وهذا جزء من حديث رواه أبو داود وغيره من طريق سفيان عن أبي سنان عن وهب بن خالد عن ابن الديلمي عن أُبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنده جيد، وقد سلكت الجبرية في هذا الخبر مسلكًا غريبًا حيث قالوا: كل ممكن عدلٌ والظلم هو الممتنع لذاته فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لكان متصرفًا في ملكه والظلم تصرف القادر في غير ملكه وذلك مستحيل عليه سبحانه وزعموا أنه لما كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم تكن الأعمال سببًا للنجاة فكانت رحمته للعبادة هي المستقلة بنجاتهم فكانت رحمته خيرًا من أعمالهم، وهؤلاء يراعون جانب الملك ويعطِّلون جانب الحمد وهذا بخلاف القدرية حيث عطَّلوا جانب التوحيد وزعموا العدل والحِكَم أي الحكمة فأنكروا هذا الخبر وقابلوه بالتكذيب.
وقد هدى الله أهل السنة للحق لما اختلف فيه هؤلاء فقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان الحق في هذه المسالة قال رحمه الله تعالى: (( المقصود أن من حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يرضى به ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا وأن يكون حبه كله لله وبغضه في الله، وقوله لله وتركه لله وأن يذكره ولا ينساه ويطيعه ولا يعصيه ويشكره ولا يكفره وإذا قام بذلك كله كانت نعم الله عليه أكثر من عمله بل ذلك نفسه من نعم الله عليه حيث وفقه له ويسره وأعانه عليه، وجعله من أهله، واختصه به على غيره، فهو يستدعى شكرًا آخر عليه ولا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبدًا فنعم الله تطالبه