فهرس الكتاب
قال بعض الأئمة السابقين بأن صلاة الجماعة مستحبة وهؤلاء أهل علم وأهل اجتهاد وقد يعذرون ما لا يعذر من جاء بعدهم، لكن ما عذر من جاء من المتأخرين حين قال بهذا القول وهجر أكثر من ثلاثين نصًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجوب صلاة الجماعة فأخذ بهذا المشتبه وترك الأحاديث الصحيحة الصريحة كحديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر برجل فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) والأحاديث الأخرى الصحيحة الصريحة في هذا الباب.
حين نأتي إلى قضية كشف المرأة وجهها فنرى بعض طلبة العلم وبعض المشايخ يأخذون بحديث وقد يكون ضعيفًا، وقد يأخذ بحديث ثاني وحديث ثالث ولكن يدعون عشرات الأحاديث الواردة في هذا الباب ويدعون الأصل في هذه القضية.
والأصل أن المرأة عورة كما في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - عند الترمذي بسند صحيح: (( المرأة عورة ) )فيخرقون هذا الأصل بناءً على ما ترجح لديهم من الأدلة، وفيهم من هو من أهل العلم ومن أهل الاجتهاد وفيهم من هو دخيل على هذا العلم فيستغل اجتهادات الأئمة ليشبع رغبته وشهوته ككثير من الصحفيين والعلمانيين وغير ذلك ويحتج بالعلماء، أهل الاجتهاد في هذه القضية ليروج بدعته وضلالته وهو لا يريد الحق أصلًا في هذه القضية وإلا لَوُفق للصواب في أشياء كثيرة.
فيأخذون بحديث ورواية: (( سفعاء الخدين ) )يقولون هذا دليل على كشف المرأة وجهها، وهذه رواية جاءت في صحيح الإمام مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر.
بينما الحديث رواه الإمام مسلم من طريق ابن جريح عن عطاء عن جابر بدون لفظه (( سفعاء الخدين ) ) (( امرأة من سطة الناس ) ).
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى أيهما أرجح في عطاء ابن جريج أم عبد الملك؟! فقال: ابن جريج إذًا رواية عبد الملك شاذة والحديث الذي جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس بدون هذه اللفظة.
وعلى فرض صحتها فيه أحاديث أخرى تفيد وجوب تغطية المرأة وجهها فلماذا نأخذ ببعض الأحاديث وندع مئات الأحاديث؟!!
المنهج الصحيح في التعامل في مثل هذه القضايا محاولة الجمع بين النصوص وعدم الأخذ بحديث وترك أحاديث، فحينئذٍ يكون الإنسان ميَّالًا وفيه ميل للزهد يأتي فيحفظ كل الأحاديث الواردة في الزهد، ولو أن الناس أطبقوا على منهجه الذي هو يتصور أن هذا هو الدين لضاعت الأمة بأسرها، فهو يفهم حديثًا ولا يربطه بواقع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بواقع الصحابة - رضي الله عنهم -.