لأن بعض المتأخرين يغلو في التكفير حتى آل بهم الأمر إلى تكفير جماعة من العلماء بسبب التأويل، أمثال الإمام النووي والإمام العز بن عبد السلام، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر بسبب ما وقع لهم من بعض الأخطاء في المسائل العلمية والمسائل العملية.
وقد جاء في البخاري من طريق الإمام مالك رحمه الله تعالى عن ابن دينار عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) ورواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى من طريق عُبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر.
وقد جاء في الصحيحين أيضًا، واللفظ للبخاري عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يرم رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك) .
ومن شأن أهل العلم والورع عدم التعجل في إصدار الأحكام حتى تثبت الحجة التي من خالفها كان كافرًا تارة، أو فاسقًا تارةً أخرى أو مبتدعًا أما التعجل بإصدار الأحكام على كل من وقع في مكفر ثم سحب هذا على تكفير العلماء والأئمة بسبب الأخطاء فهذا ضلال.
وأقبح منه وأعظم جرمًا تكفير من يعذر هؤلاء الأئمة ففيه فئة من المحسوبين على أهل العلم يكفرون من يعذر هؤلاء الأئمة فمن لم يجاريهم في تكفيرهم كفروه وهذا ضلال عظيم، وهذه نزعة من نزعات الخوارج والمعتزلة.
وقد كان أئمة السلف يكفرون مقالات الجهمية، وكان كثير منهم بما فيهم الإمام أحمد يتورع ويبتعد عن تكفير أعيانهم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الثالث في الفتاوى، وذكر ذلك في المنهاج، وذكر ذلك في درء تعارض العقل والنقل.
فكيف يمن يكفر أهل السنة بعدم تكفير الجهمية أو أصحاب المقالات والأخطاء الكفرية علمية أو عملية فلا يعرفون العذر بالتأويل، لا يفرقون بين النوع والعين، ويُخَيَّل إليهم أن ما جاء عن السلف بأن من قال كذا فقد كفر، أو أجمع العلماء على من فعل كذا فقد كفر، أن هذا يصدق على العين من كل وجه.
صحيح أن هناك مسائل لا يعذر أحد في الجهل فيها كسب الله أو سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبًا صريحًا، لأن الجهل لا يتصور في هذه المسائل لا يمكن تصور الجهل أو عذر من سب الله أو سب الرسول - صلى الله عليه وسلم -،قد يقع خطأ في اللسان فيعذر فيه، فهذا واضح كالرجل الذي (( قال: أنت عبدي وأنا ربك ) )، أما يقول: أنا جاهل بسب الله أو سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يمكن تصوره أصلًا.
ولو تُصوِّر لكان لبحث قضية العذر بالجهل مجال آخر، لكن يتصور هذا لمن طاف حول القبور، أو سجد للقبور أو دعا غير الله جلا وعلا، أو كفر بالمسائل العملية، كمقالات الجهمية وبعض مقالات الفلاسفة والقرامطة ونحو ذلك.