فهرس الكتاب
أن يمدح لا يمدح ومن أخلص لله مدح، وحقٌ على الله أن لا يرتفع شيء من أمر الدنيا إلا وضعه الله. ومن هنا كان أئمة السلف كانوا يحرصون على الإخلاص ولا يراؤون الناس بأعمالهم لأن الرياء نوع من النفاق، قال تعالى: {يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا} وفي الأدلة الثابتة عن الصحابة أروع الأمثلة في هذا الباب.
وتأمل هذا في حال أئمة التابعين ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا من المخلصين الورعين.
عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورد عنه أنه قال: (( وددت أن الخلق أطاعوا الله وأن لحمي قد قُرِّضَ بالمقاريض ) ).
ويُروى عن الإمام الشافعي أنه قال: (( وددت أن الناس أخذوا عني هذا العلم ولم ينسب إليَّ منه شيء ) ).
وفي صحيح الإمام مسلم أن حصين بن عبد الرحمن قال: (( أما إنِّي لم أكن في صلاة ولكني لُدِغت ) )، حين قيل له: (( أيكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحة؟! ) ). قال حصين بن عبد الرحمن: (( أنا أما إني لم أكن في صلاة ) )نفى عن نفسه توهم العبادة لئلا يُمدح بما ليس فيه.
تأمل في حال عبد الله بن المبارك حين وُضع مالٌ كثير لمن قتل رئيس وقائد الكفار فتلثَّم عبد الله بن المبارك وقتله ولم يعلم به أحد سوى من رآه وناشده الله أن يكتم عليه ولم يُعلم بذلك حتى مات.
وتأمل في حال عبد الله بن المبارك حين فقد أحد طلبته فسأل عنه، فقيل: إنه محبوس في دين، فذهب إلى غريمه وقضى عنه دينه وناشده أن يكتم عليه ولا يخبر بذلك أحد، وكان المال أكثر من عشر آلاف درهم، وحين خرج فسأل عنه عبد الله، قال: أين أنت؟! قال: كنت محبوسًا في دين فأتى رجل صالح فقضى ذلك عني، قال: ألا تدلنا عليه لنكافئه ونجازئه، قال: لا أعرفه.
يراعون الإخلاص في مثل هذه الأمور، وهذه الجوانب الكبيرة التي هي أكبر من الدنيا وما فيها، لأنهم يعلمون أن العمل لا يقبل إلا بالإخلاص وأن الرياء والمدح والثناء يذهب ولا يبقى، قال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} .