فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 381

عَريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) إذن لا بد من قول لا إله إلا الله ولا يصح قول لا رب إلا الله وكل الرسل يفتتحون دعوتهم (( أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) )وليس في القرآن آية بخلاف هذا المعنى، فالقرآن كله من فاتحته إلى خاتمته في تقرير توحيد الإلهية {الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين *} هذا في توحيد الإلهية، في خاتمة القرآن {قل أعوذ برب االفلق *} وبعد ذلك {قل أعوذ برب الناس *} هذا خلاصة توحيد الإلهية.

وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في التحفة العراقية عن بعض السلف أن الله جل وعلا جمع علم الأولين والآخرين في القرآن بالنسبة للتوحيد، وجمع الله جل وعلا علم القرآن في فاتحة الكتاب وجمع الله جل وعلا ذلك في قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين *} .

توضيح هذا أنه لا يمكن أن يخرج شيء عن هذه العبودية ولا يصح شيء إلا في هذه العبودية فلا يصح توحيد الربوبية ولا توحيد الأسماء والصفات إلا بتوحيد الإلهية كما سبق تقرير ذلك فجماع الأمر {إياك نعبد وإياك نستعين *} على أنه لا يتصور وجود شخص يفرد الله بالعبادة ويخلص له فلا يؤمن بتوحيد الربوبية، قد يوجد من يوحد الله ولكن يحرِّف بعض الأسماء والصفات يؤمن بالأسماء والصفات بالجملة، ولكن يحرِّف بدافع أنه لو أثبتنا له الأسماء والصفات لشبهنا الخالق بالمخلوق فأتي من قبل جهله في هذه القضية فألحد في أسماء الله وصفاته، على أن هذا ناتج من ضعف الإيمان بتوحيد الإلهية. فإن حقيقة الإيمان تقتضي الإيمان بكل ما جاء عن الله على مراد الله وبكل ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

تأمل في الصحابة، بل تأمل في الأعراب الذين يؤمنون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - تأمل في الأعاجم الذين يؤمنون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ترى في شيء من عباراتهم ولا من كلامهم استنكارًا للأسماء والصفات ولا لغير ذلك، لأن الإيمان إذا دخل القلوب وإذا خالطت بشاشته القلوب آمن بكل ما جاء به عن الله فلا ينحرف لا في توحيد الربوبية ولا في توحيد الأسماء والصفات إنما يأتي الانحراف إما من ضعف التصديق أو من ضعف الإيمان أو من ضعف التوحيد فلهذا نستطيع أن نحكم على الجهمية وعلى الأشاعرة أن هذا الإعراض عن توحيد الأسماء والصفات ناتج من ضعف التوحيد في قلوبهم ومن ضعف توحيد الإلهية في نفوسهم ومن قلة التصديق بما جاءت به الرسل.

إذ إن الأعرابي الذي يؤمن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤمن بذلك ويتلقى هذا دون أي إشكال والأعاجم الذين لا يعون اللغة العربية يؤمنون بهذه الأمور دون أي إشكال بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم قراءة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت