فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 830

وللإجابة على هذه التساؤلات نقول: لا يمكن إدراج"فقه الأقليات"في مدلول"الفقه"كما هو شائع الآن - أي فقه الفروع - بل الأولى إدراجه ضمن"الفقه"بالمعنى العام الذي يشمل كل جوانب الشرع اعتقادًا وعملًا، بالمعنى الذي قصده النبي- صلى الله عليه وسلم- في قوله:"من يُرِدِ الله به خيرًا يفقهه في الدين" [صحيح البخاري، كتاب العلم، الحديث69. وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، الحديث1719] ، ومن هنا كانت ضرورة ربط هذا الفقه بالفقه الأكبر وضعًا للفرع في إطار الكل، وتجاوزًا للفراغ التشريعي أو الفقهي. ومعنى هذا أن فقه الأقليات هو فقه نوعي يُراعي ارتباط الحُكم الشرعي بظروف الجماعة وبالمكان الذي تعيش فيه، فهو فقه جماعة محصورة لها ظروف خاصة، يصلح لها ما لا يصلح لغيرها، ويحتاج متناوله إلى ثقافة في بعض العلوم الاجتماعية، خصوصًا علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والعَلاقات الدولية.

تفكيك السؤال:

وإذا ثار سؤال ذو صلة بفقه الأقليات على لسان فرد، أو دار على ألسنة جماعة، فإن المفتي المعاصر يحتاج إلى تجاوز الموقف الساذج البسيط الذي يحصر الأمر بين سائل ومجيب: سائل يعوزه الاطلاع الشرعي، ومجيب يعتبر الأمر منتهيًا عند حدود الاستفتاء والإفتاء. فهذا موقف غير علمي ورثناه عن عصور التقليد، وكرسته عقلية العوام التي استسهلت التقليد واستنامت له.

والمطلوب تبني موقف علمي يبحث في خلفية السؤال والسائل، والعوامل الاجتماعية التي ولدت السؤال وأبرزت الإشكال، وهل هو سؤال مقبول بصيغته المطروحة، أم يتعين رفضه بهذه الصيغة، وإعادة صياغته في صورة إشكال فقهي، ثم معالجته في ضوء رؤية شاملة تستصحب القواعد الشرعية الكلية، والمبادئ القرآنية الضابطة، وتراعي غايات الإسلام في الانتشار والتمكين على المدى البعيد؟

ومن هنا نستطيع أن نفهم نهي القرآن المجيد عن أسئلة معينة من شأن إثارتها والإجابة عنها أن تؤدي إلى مشكلات اجتماعية خطيرة؛ لأن تلك الأسئلة صاغتها ظواهر سلبية، فإذا أُجِيب عنها في ذلك السياق استحكمت تلك الظواهر وتمكنت. كما نستطيع في ضوء ذلك فهم نهي الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن"قيل وقال، وكثرة السؤال…".

فإذا سأل سائل- مثلًا- هل"يجوز"للأقليات المسلمة أن تشارك في الحياة السياسية في البلد المقيمة فيه، بما يحفظ لها حقوقها، ويمكنها من مناصرة المسلمين في بلدان أخرى، ويبرز قيم الإسلام وثقافته في البلد المضيف؟ فإن الفقيه الواعي بعالمية الإسلام وشهادة أمته على الناس، وبالتداخل في الحياة الدولية المعاصرة لن يقبل السؤال بهذه الصيغة؛ بل سينقله من منطق الترخص السلبي إلى منطق الوجوب والإيجابية، انسجامًا مع ما يعرفه من كليات الشرع وخصائص الأمة والرسالة.

ثانيًا: ضرورة الاجتهاد وتجاوز الفقه الموروث

لقد استوطن الإسلام في العقود الأخيرة بلدانًا كثيرة؛ مما استدعى أن يكون لهذه البلدان إطار فقهي خاص بها، يراعي خصوصيتها؛ حيث بدأ المسلمون يواجهون واقعًا جديدًا يثير أسئلة كثيرة جدًّا تتجاوز القضايا التقليدية ذات الطابع الفردي المتعلقة بالطعام المباح، واللحم الحلال، وثبوت الهلال، والزواج بغير المسلمة… إلى قضايا أكبر دلالة وأعمق أثرًا ذات صلة بالهُويَّة الإسلامية، ورسالة المسلم في وطنه الجديد، وصلته بأمته الإسلامية، ومستقبل الإسلام وراء حدوده الحالية.

مشكلات في منهجية تناول الفقه:

وربما حاول البعض الإجابة على هذا النمط من الأسئلة بمنطق"الضرورات"و"النوازل"ناسين أنه منطق هش لا يتسع لأمور ذات بال. وربما واجه المسلم فوضى في الإفتاء: فهذا الفقيه يُحِلُّ، وذاك يُحَرِّم، وثالث يستند إلى أنه يجوز في"دار الحرب"ما لا يجوز في"دار الإسلام"، ورابع يقيس الواقع الحاضر على الماضي الغابر قياسًا لا يأبه بالفوارق النوعية الهائلة بين مجتمع وآخر، وبين حقبة تاريخية وأخرى؛ بل لا يأبه بالقواعد الأصولية القاضية بمنع قياس فرع على فرع… فتكون النتيجة المنطقية لهذا المنطلق المنهجي الخاطئ إيقاع المسلمين في البلبلة والاضطراب، وتحجيم دورهم المرتقَب، والحُكم عليهم بالعزلة والاغتراب، وإعاقة الحياة الإسلامية، وفرض التخلف عليها، وإظهار الإسلام بمظهر العاجز عن مواجهة أسئلة الحضارة والعمران المستنير في زماننا هذا.

والحق أن مشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أن تواجَه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليَّات القرآن الكريم وغاياته وقيمه العليا ومقاصد شريعته ومنهاجه القويم، ويستنير بما صح من سنة وسيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تطبيقاته للقرآن وقِيمه وكليَّاته.

تجاوز الفقه الموروث:

أما الفقه الموروث في مجال التنظير لعَلاقة المسلمين بغيرهم فهو - على ثرائه وتنوعه وغناه وتشعبه- قد أصبح أغلبه جزءًا من التاريخ؛ لأسباب تتعلق بالمنهج، وأخرى بتحقيق المناط، مما سنعرضه تاليًا:

أ- أهم الأسباب المنهجية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت