1-لم يرتب بعض فقهائنا الأقدمين مصادر التشريع الترتيب الصحيح الذي يعين على حسن الاستنباط، الذي يقضي باعتبار القرآن الكريم أصل الأصول، ومنبع التشريع، والمصدر التأسيسي المهيمن على ما سواه، والمقدم عليه عند التعارض. واعتبار السنة النبوية مصدرًا بيانيًّا ملزمًا يكمل القرآن ويفصله ويتبعه.
2-لم يأخذ أكثر فقهائنا عالمية الإسلام بعين الاعتبار في تنظيمهم الفقهي لعَلاقة المسلمين بغيرهم؛ بل عبَّروا عن نوع من الانطواء على الذات لا يتناسب مع خصائص الرسالة الخاتمة والأمة الشاهدة.
3-تأثر الفقهاء بالعرف التاريخي السائد في عصرهم، فضاقت نظرتهم للموضوع، وابتعدوا عن المفهوم القرآني للجغرافيا.
ب- الأسباب ذات الصلة بتحقيق المناط فأهمها:
1-لم يعتد المسلمون في تاريخهم - بعد عصر الرسالة- على اللجوء إلى بلاد غير إسلامية طلبًا لحق مهدر أو هربًا من ظلم مفروض؛ بل كانت البلاد الإسلامية في الغالب أرض عزة ومنعة، ولم تكن تفصل بينها حدود سياسية مانعة؛ فكلما ضاقت بمسلم أرض، أو انسدت عليه سبيل، تحول إلى ناحية أخرى من الإمبراطورية الإسلامية الفسيحة، دون أن يحس بغربة، أو تعتريه مذلة.
2-لم تكن فكرة المواطنة كما نفهمها اليوم موجودة في العالم الذي عاش فيه فقهاؤنا الأقدمون، وإنما كان هناك نوع من الانتماء الثقافي لحضارة معينة، أو الانتماء السياسي إلى إمبراطورية معينة يعتمد المعيار العقائدي، ويتعامل مع المخالفين في المعتقَد بشيء من التحفظ، مع اختلاف في درجة التسامح: من محاكم التفتيش الأسبانية إلى الذمة الإسلامية.
3-لم تكن الإقامة في بلد غير البلد الأصلي تكسب حق المواطنة بناء على معايير ثابتة، مثل الميلاد في البلد المضيف، أو أمد الإقامة، أو الزواج… وإنما كان الوافد يتحول تلقائيًّا إلى مواطن إذا كان يشارك أهل البلد معتقدهم وثقافتهم، أو يظل غريبًا - مهما استقر به المقام- إذا كان مخالفًا لهم في ذلك.
4-لم يكن العالَم القديم يعرف شيئًا اسمه القانون الدولي أو العَلاقات الدبلوماسية، اللذان يحتِّمان على كل دولة حماية رعايا الدول الأخرى المقيمين على أرضها، ومعاملتهم بنفس معاملة الرعايا الأصليين، إلاَّ في بعض الأمور الخاصة التي تقتضي حقوق المواطنة التميز فيها.
5-كان منطق القوة هو الغالب على العَلاقة بين الإمبراطوريات القديمة- بما فيها الإمبراطورية الإسلامية- فكانت كل منها تعتبر أرض الأخرى"دار حرب"يجوز غزوها وضمها كليًّا أو جزئيًّا إلى الدولة الغالبة؛ إذ من طبيعة الإمبراطوريات أنها لا تعرف حدودًا إلا حيث تتعسر على جيوشها مواصلة الزحف.
6-لم يعش فقهاؤنا الوحدة الأرضية الاتصالية التي نعيشها اليوم؛ حيث تتداخل الثقافات، وتعيش الأمم في مكان واحد. وإنما عاشوا في عالَم من جزر منفصلة، لا تعايش بينها ولا تفاهم. فكان"فقه الحرب"طاغيًا بحكم مقتضيات الواقع يومذاك. وما نحتاجه اليوم هو"فقه التعايش"في واقع مختلف كمًّا ونوعًا.
7-كان بعض الفقهاء الأقدمين والمتأخرين يعبرون بفتاواهم عن نوع من المقاومة وردة الفعل على واقع مخصوص يختلف عن واقعنا، وفي هذا الإطار يمكن أن ندرج كتاب ابن تيمية"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم"، وفتاوى علماء الجزائر في صدر هذا القرن بتحريم حمل الجنسية المصرية؛ فهذه الكتب والفتاوى جزء من ثقافة الصراع التي لا تحتاجها الأقليات الإسلامية.
ثالثًا: نحو أصول لفقه الأقليات
فقه الأقليات فقه ذو طبيعة خاصة. وهذه الخصوصية في الموضوع تفرض علينا أن نقترح على أهل العلم جملة من المحددات المنهجية أو"الأصول"التي نرى ضرورة اعتمادها من قِبَل المفتي في فقه الأقليات، باعتبار خصوصية هذا الفقه، وباعتبار أن كل"فقه"يحتاج إلى أصول. ومن هذه الأصول ما يلي:
1-اكتشاف الوحدة البنائية في القرآن، وقراءته باعتباره معادلًا للكون وحركته، واعتبار السنة النبوية الصادرة عن المعصوم- صلى الله عليه وسلم- تطبيقًا لقيم القرآن، وتنزيلًا لها في واقع معين، والنظر إليها كوحدة في ذاتها، متحدة مع القرآن، بيانًا له وتطبيقًا عمليًّا لقِيمه في واقع محدد.
2-الاعتراف بحاكمية الكتاب الكريم وأسبقيته، وأنه قاضٍ على ما سواه بما في ذلك الأحاديث والآثار؛ فإذا وضع الكتاب الكريم قاعدة عامة - مثل مبدأ"البر والقسط"في عَلاقة المسلمين بغيرهم - ووردت أحاديث أو آثار يتناقض ظاهرها مع هذا المبدأ: كالمزاحمة في الطريق، أو عدم رد التحية بمثلها أو أحسن منها، تعين الأخذ بما في الكتاب، وتأويل الأحاديث والآثار إن أمكن تأويلها، أو ردها إن لم يمكن ذلك.
3-الانتباه إلى أن القرآن المجيد قد استرجع تراث النبوات، وقام بنقده وتنقيته من كل ما أصابه من تحريف، وأعاد تقديمه منقحًا خاليًا من الشوائب، وذلك لتوحيد المرجعية للبشرية. ذلك هو تصديق القرآن لميراث النبوة كله وهيمنته عليه.