فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 830

وقال القرطبي:"هذه الآية رخصة من الله- تعالى- في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم.. قوله- تعالى-:"أَنْ تَبَرُّوهُم"أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم…". [القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 18/43] .

وأكد ابن جرير على عموم الآية في غير المسلمين من كل الأديان والمِلَل والنِّحَل، فقال:"وأولى الأقوال في ذلك الصواب قول مَن قال: عني بذلك"لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ"من جميع أصناف المِلَل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتُقسطوا إليهم. إن الله- عز وجل- عمَّ بقوله:"الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ"جميع مَن كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون ذلك" [نفس المصدر 28/43] .

وفسَّر جل المفسرين"القسط"الوارد في الآية بأنه العدل، لكنَّ القاضي أبا بكر بن العربي أعطاه معنى آخر، باعتبار أن العدل واجب على المسلم تجاه الجميع أعداء وأصدقاء، لقوله تعالى:"وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" [سورة المائدة، الآية 8] . أما القسط في هذه الآية فهو - عند ابن العربي- الإحسان بالمال: ("وتقسطوا إليهم": أي تعطوهم قسطًا من أموالكم على وجه الصلة، وليس يريد به العدل؛ فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل، قاله ابن العربي) [القرطبي 18/43] .

لقد حددت هاتان الآيتان الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يجب أن يُعامِل به المسلمون غيرهم، وهو البر والقسط لكل مَن لم يناصبهم العداء. وكل النوازل والمستجدات ينبغي محاكمتهما إلى ذلك الأساس. وما كان للعَلاقة بين المسلمين وغيرهم أن تخرج عن الإطار العام والهدف الأسمى الذي من أجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل، وهو قيام الناس بالقسط، يقول تعالى:"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيْزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" [سورة الحديد، الآية 25] ، فقاعدة"القيام بالقسط"قاعدة مطردة، سواء تعلق الأمر بإعطاء غير المسلمين حقوقهم، أو سعي المسلمين إلى أخذ حقوقهم.

الأمة المخرَجَة:

وبينت آية من الكتاب الكريم اثنتين من خصائص أمة التوحيد هما: الخيرية والإخراج. قال تعالى:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" [سورة آل عمران، الآية 110] . فهذه الآية تدل على أن خيرية هذه الأمة تتمثل في أن الله- تعالى- أخرجها للناس لتخرجهم من الظلمات إلى النور، فهي أمة مخرَجَة (بفتح الراء) لا تنفك خيريتها عن دورها الرسالي على هذه الأرض المتمثل في"إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله- تعالى-"كما لخَّصه ربعي بن عامر- رضي الله عنه- أمام كسرى.

وقد بيَّن المفسرون من السلف ومن المتأخرين على حد سواء الارتباط بين معنى الخيرية والإخراج: عن عكرمة في تفسير الآية قال:"خير الناس للناس، كان مَن قبلكم لا يأمن هذا في بلاد هذا، ولا هذا في بلاد هذا، فكلما [=أينما] كنتم أَمِنَ فيكم الأحمر والأسود؛ فأنتم خير الناس للناس" [تفسير ابن أبي حاتم 1/472، وقال المحقق: إسناده حسن] ، وقال ابن الجوزي:"كنتم خير الناس للناس" [ابن الجوزي: زاد المسير 1/355] ، وقال ابن كثير:"المعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس" [الصابوني: مختصر تفسير ابن كثير 1/308] ، و"قال النحاس: والتقدير على هذا: كنتم للناس خير أمة" [القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4/171] ، وقال البغوي:"أي أنتم خير أمة للناس" [البغوي: معالم التنزيل 1/266] ؛ وزاد أبو السعود الأمر توضيحًا فقال:"أي كنتم خير الناس للناس، فهو صريح في أن الخيرية بمعنى النفع للناس، وإن فهم ذلك من الإخراج لهم أيضًا، أي أخرجت لأجلهم ومصلحتهم" [أبو السعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن العظيم 2/70] . وهو المعنى الذي استوحاه الخطيب فقال:"من رسالة هذه الأمة ألا تحتجز الخير لنفسها، ولا تستأثر به حين يقع لديها؛ بل تجعل منه نصيبًا تبر به الإنسانية كلها" [عبد الكريم الخطيب: التفسير القرآني 4/548] .

إن أمة- هاتان أخص خصائصها- لا يمكن أن تحدها أرض، أو يختص بها مكان؛ بل لا بد أن تخرج إلى الناس، وتبلغهم رسالة الله إلى العالمين. فأي كلام بعد ذلك عن"دار إسلام"و"دار كفر"، أو"دار إسلام"و"دار حرب"- بالمعنى الجغرافي لهذين المصطلحين- إنما هو ضرب من التكلف وتضييق لآفاق الرسالة.

بل إن مفهوم"الأمة"في شرعنا لا يرتبط بالكم البشري أو الحيِّز الجغرافي أصلًا، وإنما يرتبط بالمبدأ الإسلامي، حتى وإن تجسد ذلك المبدأ في شخص واحد؛ ولذلك استحق إبراهيم- عليه السلام- وصف"الأمة"في القرآن الكريم؛ لقنوته لله وشكره لأنعمه:"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [سورة النحل، الآية 120] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت