وقد أدرك بعض علمائنا الأقدمين المغزى الذي نقصد إليه هنا؛ فربطوا تلك التحديدات بإمكان إظهار الإسلام وأمن المسلمين فقط، فليست للإسلام حدود جغرافية، ودار الإسلام هي كل أرض يأمن فيها المسلم على دين، حتى ولو عاش ضمن أكثرية غير مسلمة؛ ودار الكفر هي كل أرض لا يأمن فيها المؤمن على دينه، حتى ولو انتمى جميع أهلها إلى عقيدة الإسلام وحضارته.
قال الكاساني:"لا خلاف بين أصحابنا [الأحناف] في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها" [الكاساني: بدائع الصنائع 7/131] . أما دار الإسلام فقال القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن:"تصير دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها" [نفس المصدر والصفحة] . وروى ابن حجر عن المواردي رأيًا ذهب فيه إلى أبعد من ذلك؛ فاعتبر أن الإقامة في دار كفر يستطيع المسلم إظهار دينه فيها أولى من الإقامة في دار الإسلام، لما في ذلك من القيام بوظيفة جذب الناس إلى هذا الدين وتحسينه إليهم، ولو بمجرد الاحتكاك والمعايشة:"قال الماوردي: إذا قدر [المسلم] على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر؛ فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لما يترجى من دخول غيره في الإسلام" [ابن حجر: فتح الباري 7/230] .
الانتصار والإيجابية:
ومما امتدح الله- تعالى- به عباده المؤمنين الإيجابية والانتصار لحقوقهم، ورفض البغي والظلم، وعدم الرضا بالمذلة والهوان. قال تعالى:"إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا" [سورة الشعراء، الآية 227] ، وقال تعالى:"وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُون" [سورة الشورى، الآية 39] . قال ابن الجوزي معلقًا على هذه الآية الأخيرة:"ليس للمؤمن أن يذل نفسه" [ابن الجوزي: زاد المسير 7/122] ، وقال ابن تيمية:"... وضد الانتصار العجز، وضد الصبر الجزع، فلا خير في العجز ولا في الجزع، كما نجده في حال كثير من الناس، حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو رأوا منكرًا، فلا هم ينتصرون ولا يصبرون، بل يعجزون ويجزعون" [ابن تيمية: التفسير الكبير 6/59] .
فأي رضا من المسلمين بالدون، أو بالمواقع الخلفية، وأي سلبية وانسحاب من التفاعل الإيجابي مع الوسط الذي يعيشون فيه يناقض مدلول هاتين الآيتين الداعيتين إلى الإيجابية والانتصار.
تحمل الغبش:
ولو اقتضت المشاركة الإيجابية تحمل نوع من الغبش الذي لا يمس جوهر العقيدة وأساسيات الدين؛ فهو أمر مغتفر إن شاء الله؛ لأن تحقيق الخير الكثير المرجو متعذر بدونه. وليس هذا الأمر بجديد على الفقه الإسلامي؛ بل هو أمر قبله علماء الإسلام منذ نهاية الخلافة الراشدة وبداية المُلْك؛ فقد وضع الواقع الجديد أهل الخير أمام أحد خيارين: إما المشاركة الإيجابية مع قَبول تنازلات يمليها واقع الظلم المتغلب، وإما السلبية والانسحاب وترك الأمة في أيدي الظلمة؛ فاختاروا الخيار الأول إدراكًا منهم لإيجابية الإسلام ومرونة تشريعاته. قال ابن تيمية مؤصلًا هذا الأمر:"الواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه: فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه؛ فإن تولية الأبرار خير من تولية الفجار" [ابن تيمية: السياسة الشرعية، ص 167] . وقال:"وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين وولاة أمورهم وعامتهم لا يمنع أن يشارك فيما يعمله من طاعة الله" [ابن تيمية: منهاج السنة 4/113] . ولو كان - رحمه الله- حيًّا الآن لأضاف:"بعض الكافرين وولاة أمورهم وعامتهم"تمشيًا مع منطق الموازنة الشرعية الذي تبناه، ومراعاة لتغير الوقائع.
وانسجامًا مع نفس المنطق تقبل ابن حجر سؤال الإمارة والحرص عليه - رغم نهي السنة عن ذلك- إذا كانت حقوق المسلمين ومصالحهم معرضة للإهدار والضياع، فقال:"مَن قام للأمر [الإمارة] عند خشية الضياع يكون كمَن أعطي بغير سؤال، لفقد الحصر غالبًا عمَّن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبًا عليه" [ابن حجر: فتح الباري 13/126] .
سادسًا: دروس من الهجرة إلى الحبشة
تضمنت التجربة الإسلامية الأولى مثالًا على لجوء المسلمين إلى بلاد الكفر لحماية دينهم، هو الهجرة إلى الحبشة. ولهذا المثال أهمية خاصة؛ لأنه وقع في عصر الاستضعاف الشبيه بحال المسلمين الآن، كما أنه وقع في عهد التشريع، مما يضفي مغزى تأصيليًّا على الدروس والعِبَر المستخلَصَة منه.
وقد وقعت حادثة أثناء تلك الهجرة تحمل دلالة كبرى على ما يستطيع المسلمون المهاجرون فعله لحماية دينهم ورعاية مصالحهم، وكسب ود غيرهم، بل اكتسابه للإسلام.