فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 830

أورد الإمام أحمد بصيغ مختلفة وفي مواضع متعددة من مسنده تفاصيل هذه القصة الطويلة [انظر: المسند، الأحاديث رقم: 1649 و14039 و17109 و21460] ، وخلاصتها أن قريشًا أرادوا مضايقة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة؛ فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة محملين بهدايا للنجاشي، ورشاوى لبطارقته، في محاولة لشراء الذمم من أجل تسليم المسلمين المستضعفين إليهم.

وتكلم عمرو وعبد الله بين يدي النجاشي فقالا:"أيها الملك: إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشارف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه... فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك.. فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. لكن النجاشي كان رجلًا عادلًا، ولم يكن ليقبل الحكم غيابيًّا على مَن لم يسمع حجته؛ فأمر بإحضار المسلمين"فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول واللهِ ما علمْنَا وما أمرَنَا به نبيُّنا- صلى الله عليه وسلم- كائن في ذلك ما هو كائن؛ فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ليسألهم، فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم. قالت [أم سلمة راوية الحديث] فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه؛ فدعانا إلى الله- تعالى- لنوحده ونعبده ونترك ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمر بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به… فعدا علينا قومنا يعذبونا ففتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان.. وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ولما قهرونا، وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألاَّ نُظلَم عندك أيها الملك". وتوضح رواية أخرى أن جعفر لما دخل على النجاشي خالف العرف السائد الذي يقضي بالسجود للملك"فسلَّم ولم يسجد، فقالوا له ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله - عز وجل"."

وانتهت المناظرة بانتصار المسلمين، واقتناع النجاشي بعدالة قضيتهم، ورجع رسولا قريش من عند النجاشي شر مرجع"فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءوا به"حسب تعبير أم المؤمنين أم سلمة- رضي الله عنها.

ثم توطدت العَلاقة بين المسلمين وذلك الملك المسيحي إلى درجة أنهم دعوا له بالنصر حين ظهر مَن ينازعه ملكه، قالت أم سلمة:"… ودعونا الله- تعالى- للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده".

وكانت النتيجة المنطقية لتلك العَلاقة الوثيقة أن اعتنق النجاشي الإسلام في نهاية المطاف.

خلاصة منهجية

بناء على ما اتضح من موازين الوحي، وخصائص أمة التوحيد، ومن المحددات المنهجية اللازمة، ثم من تجربة المسلمين الأوائل في الحبشة، نستطيع التوصل إلى الخلاصات التالية:

1-إن وجود المسلمين في أي بلد يجب التخطيط له باعتباره وجودًا مستمرًّا ومتناميًا، لا باعتباره وجودًا طارئًا أو إقامة مؤقتة أملتها الظروف السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي. ولا حجة في رجوع المهاجرين من الحبشة؛ لأن الهجرة كانت واجبة في صدر الدعوة وبناء المجتمع الجديد، ثم سقط ذلك الوجوب بالفتح، كما قال- صلى الله عليه وسلم-:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" [صحيح البخاري، كتاب الجهاد، الحديث 2575. وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، الحديث 3468] . كما أن رجوعهم كان مواصلة لهجرة جديدة؛ لأن مكة هي موطنهم.

2-ينبغي لأبناء الأقليات المسلمة أن لا يقيدوا أنفسهم باصطلاحات فقهية تاريخية لم ترد في الوحي مثل"دار الإسلام"و"دار الكفر". وعليهم أن ينطلقوا من المنظور القرآني:"إَنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين" [سورة الأعراف، الآية 128] ،"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُوْن" [سورة الأنبياء، الآية 105] .

3-من واجب المسلمين أن يشاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية بإيجابية، انتصارًا لحقوقهم، ودعمًا لإخوتهم في العقيدة أينما كانوا، وتبليغًا لحقائق الإسلام، وتحقيقًا لعَالَميته. ولقد قلنا: إن ذلك"من واجبهم"؛ لأننا لا نعتبره مجرد"حق"يمكنهم التنازل عنه، أو"رخصة"يسعهم عدم الأخذ بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت