فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 830

إذا كانت"الأقلية، تشعر ب"الضيق"و"التضيق"وعدم وضوح المستقبل فإن القرآن الكريم عندما يتناول مصطلح"الأقلية"يعطيه بعدا رساليا مرتبطا بمدى إقدامه على خط التدين ممارسة وفهما وسلوكا وحالا ليتجسد في الفئة الناجية من النار والمبشرة بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) (البقرة 249) بل زكى"القرآن الكريم على رجل واحد- هو سيدنا إبراهيم عليه السلام- عندما أنزل الله عليه الوحى وأمره بتخليص أمته من عبادة الطواغيت إلى عبادة إله واحد، وهو وحده مستعينا بقدرة الله سبحانه وتعالى، فقال تعالى: ( إن إبراهيم كان أمة) ( النحل 120) فقرن تعالى عمل إبراهيم- عليه السلام- بعمل وجهد أمة كاملة والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول:"تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة" (1) . وفى المقابل تجد تعامل القرآن الكريم مع المفهوم المضاد للأقلية- وهو الأكثرية عددا- بدعوة المسلمين إلى الحذر من الانخداع بمظاهر القوة وعلى رأسها العدد والكثرة القائمة على غير نهج الله القائم على الحق والعدل، بل قد جعل سنة الله في خلقه القلة، فخلق الكون ودأب في الأرض دون الكواكب الأخرى في الحياة، وهيأ للإنسان اليابسة دون البحار والمحيطات (وهى تمثل ثلث الأرباع من الكرة الأرضية) ليعيش فيها ويتوالد فهدى البعض من الناس وضلت أنفس طريقها فاختارت- طوعا- مسالك ما أتى الله بها من سلطان، وجعل درجة الإيمان بعد درجة الإسلام ليجتهد المؤمنون. داخل دائرة مجتمع المسلمين أكثر، بل ليصطفى الحق تعالى رجالا من المؤمنين لأنهم صدقوا القول، صدقوا الله فكان وعده تعالى بالجنة.

ويأتى التحذير واضحا ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) (الأنعام 116) فيذم القرآن الأكثرية القائمة على الضياع، ويحذر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين من الذل، فيقول:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟. فقال:"بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة لكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن"فقال قائل:"يا رسول الله ! وما الوهن؟ قال:"حب الدنيا وكراهية الموت" (2) ."

فانفرد الإسلام بمعيار يخالف فيه جميع النظم القديمة والحديثة والتى تقوم في نظرياتها- فقط على مقاييس العدد والأكثرية- فالنوعية أساس كل بناء حضارى.

)ب) الأقلية في الأعراف الدولية الحديثة:

أخذت كلمة الأقلية حظها- ولا تزال- في جميع المعاهدات الدولية والمحلية بل والقطرية لتحميها من الانقراض وتحقيق مظاهر وجودها، فلا تكاد تخلو كل الاتفاقيات الثنائية بين البلدان- خصوصا بين الشمال والجنوب- من قضية الأقليات لتحمى كل بلد مصدر للهجرة من رعاياه (الأقلية) فى هذا البلد المضيف، فظهرت عدة مؤسسات وقتية للأقليات انطلاقا من القواعد المشتركة لهذه الطائفة- الأقلية- من حيث خصوصياتها: العرقية- القومية- اللغوية- الدينية أو المذهبية- السياسية أو الاجتماعية أو اللوبية أو الفكرية..

فجاءت حماية الأقليات في المواثيق الدولية وعلى رأيها الخاص بحقوق الإنسان، فالمادة الثانية من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان تنص على أنه:"لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تميز من أى نوع ولاسيما التمييز في العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأى سياسيا أو غير سياسى أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى أو الثروة أو المولد أو أى وضع آخر. وفضلا عن ذلك لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسى أو القانونى أو الدولى للبلد أو الإقليم الذى ينتمى إليه الشخص سواء كان مستقلا أو موضوعا تحت الوصاية أم غير متمتع بالحكم الذاتى أم خاضعا لأى قيد آخر على سيادته، فالمواد هى كثيرة التى تؤمن للأقليات حياة مثلها مثل الأغلبية، فمن الحقوق الموكولة لكل إنسان:"

* الحق في الحصول على الجنسية ولا يجوز حرمان أى شخص من جنسيته، ومن حقه في تغيير جنسيته (المادة15) .

* الحق في الزواج وتكوين أسرة ودون أى قيد يرجع إلى العرق أو الدين أو الجنسية (المادة 16) .

* حق التملك (المادة 17) .

* حق العقيدة (المادة 18) .

* حق الرأى والتعبير (المادة 19) .

* حق الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية.

* الحق في الضمان الاجتماعى (المادة 22) .

* الحق في العمل وحرية اختيار العمل الذى يناسبه (المادة 23) .

* حق الملكية الفكرية (المادة 27) .

* الحق في التعليم.

إلى غير ذلك من النصوص التى تكرس مبدأ المساواة والحق في عيش مناسب وحرية ممارسة الشعائر التعبدية والوقوف ضد جميع ألوان التمييز العنصرى فكانت إصدارات منها:

1-إعلان الأمم المتحد للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى القرار رقم 1904 ( 0 8 1) سنة 1963م ثم 965 1م.

2-الاتفاقية الدولية لقمع جريمة التمييز العنصرى والمعاقبة عليها قرار رقم 3068 (280) سنة 1973 م.

3-اتفاقية منع التمييز في مجال التعليم- المؤتمر العام لليونسكو في ديسمبر 1960م .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت