فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 830

ولعل المشكلة الأساسية التى تواجه الأقليات المسلمة هى عملية"الاجتهاد"بمفهومه العام الذى هو محاولة تنزيل النص الشرعى، مصدر الحكم في الكتاب والسنة على الواقع، وتقويم سلوك الناس ومعاملاتهم به.. ومحله دائما المكلف وفعله. وهذا يتطلب أول ما يتطلب بعد فقه النص، النظر إلى الواقع البشرى وتقويمه، من خلال النظر للنص وكيفيات تنزيله في ضوء هذا الواقع البشرى (6) .

الأقليات المسلمة نحو دار الدعوة:

عندما يقسم علماء الأمة إقامة المسلم إما بدار الإسلام أو دار الكفر وجعلوا وصفهم إلى هذه الدار أو الأخرى مبينا للانتماء العقدى لأهل كل دار. فقالوا عن دار الإسلام: هى المجتمع الذى يؤمن بالإسلام عقيدة وينتهجه شريعة"عقيدة نتجت عنها شريعة، انبثق عنهما سلوك ونظام يقومان الحياة". وقالوا عن"دار الكفر"هى الدار التى تكون فيها الغلبة لغير المسلمين، أو التى تظهر فيها أحكام الكفر، ولا يمكن إظهار أحكام الإسلام فيها (7) .

وقسموا دار الكفر إلى دارين:

(أ) دار الحرب: وعرفها علماء الإسلام بأنها،"هى الدار التى يكون بينها وبين ديار المسلمين حرب قائمة أو متوقعة، ولا يربطنا معها عهد ولا صلح . فهذه الدار ليست في حالة سلم مع المسلمين بسبب موقفها العدائى الصارخ، كاعتداء عسكرى فعلى، أو عدوان على الدعاة، أو إعانة من يحاربنا ويسلب أرضنا، وما شابه ذلك."

ومن هنا أوجب الله علي المؤمنين اتخاذ الحيطة والحذر للذود عن حياض الإسلام وأهله في أى بقعة من بقاعه التى تتحدد بوجوده فيها، كنظرة الشعوب غير المسلمة إلى هذا الدين وأتباعه، نطره عدائية ماكرة حاقدة (8) ، ودار الحرب دار إباحة بإجماع الفقهاء (9) .

(ب) دار العهد: المعاهدة هى موادعة المسلمين وأهل الحرب مدة معلومة على ترك القتال- بعوض وبغير عوض- وعلى شروط يلتزمونها، وأجمع الفقهاء على أن أهل الهدنة هم الذين صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم- سواء أكان الصلح على مال أو بدونه- لا تجرى عليهم أحكام الإسلام كما تجرى على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة (10) ، وإذا ما تحققت شروط الصلح وتوفرت أحواله العامة، فحكم الإسلام فيه أنه يجب الوفاء بكل الالتزامات والعهود، وعلى هذا أجمع العلماء (11) والمعروف عليه اليوم دوليا سواء في إطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية أو في إصدار التأشيرات باحترام قوانين ودساتير البلد المضيف والذى يحرم الغش والسرقة والنهب والقتل والاعتداء وما شابه ذلك، وحكم الإسلام فيه أنه يجب الوفاء ولو لمشرك، ما لم يتضمن شرطا فاسدا فيه معصية لله (12) . وعليه يحرم كذلك قتل نفوسهم أو إزهاق أرواحهم أو خطفهم والتنكيل بهم، عملا بقانون الوفاء الذى هو قاعدة العبادة لله وتقواه (13) ومن هنا يمكن القول بأن أوروبا دار الصلح ودار العقد الاجتماعى، فأوروبا ليست دار الإسلام ؛ لأن المسلمين لا يشكلون الغالبية الحاكمة في الأراضى الأوروبية، الأمر الذى لا يمكن معه تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا يشمل كل نواحى الحياة، وهى أيضا ليست دار الحرب لأن بعض جوانب الشريعة الإسلامية يمكن تطبيقها، ولذا فإن الأراضى الأوروبية"دار الصلح"لأن المسلم يمكن أن يعيش فيها ملتزما بالإسلام في إطار العقد الاجتماعى لا سيما أن الأشخاص ذوى التوجه الحر المنطقى والمهتمين بمصالحهم الخاصة سيقبلون كموقف مبدئى لتحقيق المساواة، مبادئ ذلك العقد الذى يحدد الشروط الأساسية لارتباطهم بالآخرين (14)

إن هذا التقسيم الفقهى - دينا - القديم إلى دارين ثم الى ثلاث قد بنى على أساس التوسع والفتوحات الإسلامية، في مرحلة كانت فيها الأمة الإسلامية ترفع راية الجهاد ورسالة نشر الدعوة عملا بقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ) (آل عمران: 104) فاجتمعت أمم ضد المد الإسلامى، وأخرى دخلت في حلف ومعاهدة ، وأخرى لم يصلها نور الإسلام، فدخلت أقوام وأجناس فكان لا بد للفقه الإسلامى أن يجتهد لوضع أسس الحياة الإسلامية في مجتمع الحق والعدل وأن يؤصلوا لمبادئ التعايش مع الأمم الأخرى في إطار معاهدات الصلح وأن يكتبوا عن شرعية القتال لمن يقاتلون المسلمين، فحددوا الجهاد بضوابط لا يخرج عليها المسلم لا في حالة السلم أو في حالة الحرب ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ((15) ، بل جعل الإسلام الحفاظ على أهل الكتاب- من يخالفوننا عقيدة- من مهام الإمام وواجباته الشرعية.

(ج) نحو دار الدعوة: لكن اليوم والحال قد تغير والأمة الإسلامية تفككت دول بل دويلات إسلامية، وأسباب القوى راحت إلى أمم أخرى، نتج عن ذلك أن مفهوم"دار الإسلام"قد تبدد، وضعف قوام شرعيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت