فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 830

2-ولا يُسقط هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى الطاغية على معاقلهم وبلادهم، ولا يتصور العجز عنها بكل وجه وحال لا الوطن ولا المال فإن ذلك كله ملغى في نظر الشرع. وأما المستطيع بأى وجه وحال، وبأى حيلة تمكنت فهو غير معذور وظالم نفسه إن أقام، والظالمون أنفسهم إنما هم التاركون الهجرة مع القدرة عليها، حسبما تضمنه قوله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) والمعاقب عليه إنما هو من مات مصرا على هذه الإقامة.

3-وتحريم هذه الإقامة تحريم مقطوع به من الدين. كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقتل النفس بغير حق.. ومن جوًّز هذه الإقامة واستخف أمرها واستسهل حكمهما فهو مارق من الدين ومفارق لجماعة المسلمين وممجوج بما لا مدفع فيه لمسلم، ومنبوذ بالإجماع الذى لا سبيل إلى مخالفته وخرق سبيله قال زعيم الفقهاء القاضى أبو الوليد بن رشد رحمه الله في أول كتاب التجارة إلى أرض الحرب من مقدماته:"فرض الهجرة غير ساقط، بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة، وأجاب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب. أن لا يقيم بها حيث تجرى عليه أحكام المشركين، وأن يهجره ويلحق بدار المسلمين حيث تجرى عليه أحكامهم".

فإذا كانت الأحكام الفقهية:

(أ) فقه الأولويات

الذى هو وضع لكل شىء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديم. أو لا يقدم ما حقه التأخير، ولا يصغر الأمر الكبير، ولا يكبر الأمر الصغير.

تتباين من فقيه إلى آخر، ومن عصر إلى عصر ومن زمان إلى زمان آخر ومن حالة إلى حالة أخرى، كيف إذن لا نختلف حول موضوع وجود المسلمين خارج الدولة، أو الدار الإسلامية، وهذا الموضوع ليس مقصورا على فقهاء أمتنا، ولقد ظهرت النوازل الأندلسية بعد سقوط غرناطة 1492، فطلب المسلمون الباقون تحت حكم النصارى بالأندلس من فقهاء مراكش الاستفهام في مسألة تتعلق مع الواقع الجديد للإسلام كأقلية بشرية وبحكم أكثرية غير إسلامية فظهر فقه"النوازل"وأشهر رسالة هى:

"رسالة القيروانى"و"النوازل الفاسية". (الوثيقة) ، كما عانى المسلمون- ولا زال بعضهم إلى الآن- في أوروبا الشرقية الويلات بعد سقوط الخلافة العثمانية تارة مع الحقد الصليبى، وتارة مع الإلحاد الشيوعى، وتارة أخرى مع المؤامرة الدولية لاستئصال الهوية الدينية والحضارية للمسلمين بأرض أوروبا"المسيحية واليهودية"فكان لزاما للمشيخات الإسلامية أن تفتح باب الاجتهاد للغوص في القضايا المستحدثة التى تعوق الأقليات المسلمة بأوروبا الشرقية.

(ب) فقه الأقليات:

إن وجود فقه خاص بالأقليات المسلمة ليس طرحا جديدا وإن اختلفت المسميات، فلقد ظهر- كما ذكرنا آنفا- فقه"النوازل"وكيف تعامل فقهاء الأمة مع الواقع الجديد للمسلمين في القرن الخامس عشر، كما ظهرت اجتهادات العلماء المختلفة حول الاستعمار الذى آلت إليه جموع العالم الإسلامى والقضايا المتعلقة بذلك.

فظهرت"جمعية العلماء"سنة 1930م بالجزائر تحت لواء الشيخ عبد الحميد بن باديس فتطرقت الجمعية إلى موضوعات تتعلق بوجود المستعمر الفرنسى: كالزواج بالفرنسية، وقضية التجنس بالجنسية الفرنسية والمشاركة مع المستعمر في أعياده وحفلاته إلى غير ذلك.

وتأتى الحرب العالمية الثانية فتجبر أوروبا، على فتح أبوابها أمام اليد العاملة خاصة المسلمة. وكانت هجرة المسلمين إلى أوروبا ليسوا فاتحين، وإنما طالبين خبزا وقوتا، وتارة أخرى طالبين لجوءا سياسيا، وتارة طالبين علما وخبرة.

وظهرت المصاعب والتحديات أمام اندماج المسلمين في الحياة اليومية بأوروبا خاصة مع ظهور الجيل الثانى والثالث فظهرت الحاجة إلى"فقه المغتربين"أو"فقه المهاجر"أو"فقه الأقليات"الذي هو فقه نوعى يراعى ارتباط الحكم الشرعى بظروف الجماعة، وبالمكان الذى تعيش فيه، فهو فقه جماعة محصورة لها ظروف خاصة يصلح لها ما لا يصلح لغيرها. ويحتاج متناوله إلى ثقافة في بعض العلوم الاجتماعية عامة. إلى علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والعلاقات الدولية خاصة.

فعقدت بعض الندوات واللقاءات، وكتبت بعض المقالات حول هذه المسألة وطرح إشكالية تأسيس هذا النوع من الفقه، وهل هو فقه بالمعنى التقليدى متبعا لمذهب معين؟ وهل يمكن عملية إسقاط الفتوى من الأكثرية إلى الأقلية ومن الأقلية إلى الأكثرية ؟ وما هى شرعيته؟ أسئلة يضعها قادة العمل الإسلامى في لهذه الأقليات للصعوبات اليومية التى تعترض طريق توطين الإسلام عبر عمل مؤسسى ، ومنها يمكن استعراض بعض الإشارات المهمة: إن ما يقرب من ثلث المسلمين اليوم يعيشون خارج دائرة العالم الإسلامى الجغرافية (450 مليون مسلم من مجموع ما يقرب من مليار و 350 مليون نسمة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت