ولم يقف الإعجاز والحب والمودة عند الأقوال على أهميتها وعظيم أثرها وصدق مخرجها ولكنهم سجلوا لنا من الأفعال والسلوك ما يتغنى به في الاقتداء ولزوم الأدب وحسن الأسوة؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وحفصة ابنتي أبي بكر وعمر ورمله بنت أبي سفيان وعلي تزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم وعثمان تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه سم ثلاثةً من أبنائه أبا بكر وعمر وعثمان وزوج ابنتيه فاطمة وأم كلثوم لعمر ابن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين والحسن بن علي سمى أولاده أبا بكر عمر وطلحة والحسين سمى ولده عمر والحسن تزوج أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله وتزوج حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ومعاوية بن مروان بن الحكم الأموي تزوج رمله بنت علي وعبد الرحمن بن عامر بن كريز الأموي تزوج خديجة بنت علي واستمر هذا المسلك الراشد إلى أجيال متعاقبة فهذا الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه وعن أبائه جده لأمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأمه فروه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأم القاسم هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ولهذا كان الإمام جعفر يقول: ولدني الصديق مرتين وجعفر بن موسى الكاظم رضي الله عنه وعن أبائه سمى ابنته عائشة.
إن هذه الأجيال المباركة في قرون الإسلام المفضلة لم يسموا أولادهم وفلذات أكبادهم لمصالح دنيوية ولا ابتغاء مناصب ومطامع ولكنهم سموهم بأسمائهم وصاهروهم في أنسابهم لأنهم رجال كرام يقتدى بهم بل كانت المصاهرة والمزاوجة مثالًا شامخًا ونموذجا يحتذى في سلامة الدين وصفاء القلوب وتلمس رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم ورضا أهل لبيته ورضا أصحابه.
نعم والله إن هذا الترابط والتراحم والتلاحم الأسري المبارك من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الصحابة وذرياتهم والتابعين بإحسان نسبًا وصهرًا كله تجسيد للمودة وإخوة الدين وأقوى إتباع سنن سيد المرسلين.
من ذلك كله يجب أن تفجر أنهار السلسبيل الدافق من ثقافة التسامح والقبول المتبادل والنظر إلى إيجابيات التاريخ والرجال يجب الزرع والنشر للصور الحقيقية المشرقة الجامعة المانعة لا أن تتبع العثرات والزلات والهفوات التي لا يمكن أن يخلو منها بشر أو أمة أو دولة أو سياسة هذا أذا كانت ثابتة واقعة فكيف إذا كانت مدسوسة مكذوبة أو كانت تفسيرًا لمغرض أو تأويلًا لصاحب هوى أو قليل علم أو دين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولا إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) .
إن الشكوى من تيارات ثلاثة: الغلاة والجفاة والغزاة، فالغلاة سلكوا مسالك التعصب والعنف والتكفير والقتل والتفجير، والجفاة يريدون قطع الأمة وبترها عن دينها ووصولها وأصالتها وثوابتها، أما الغزاة فيتخذون بين هذين الفريقين سبيلًا لتمزيق الأمة وهز ثوابتها وفرض ثقافتهم والعبث بثروات الأمة ومقدراتها.
إن الحساب السياسي المسؤول والأمانة الدينية الصادقة والحس الوطني والتبصر العقلاني يقضي بالتحري الكامل من خداع النفس والذات والذي يتصور به هذا المخدوع أن الغزاة سوف يقفون عند قطر دون قطر أو دولة دون دولة، كم هي المناطق المشتعلة اليوم في ديار المسلمين في أفغانستان والعراق ولبنان والسودان والصومال وكنت كتبت فلسطين ثم شطبتها، لن تنعم المنطقة ولن تستقر الأمة ولن يتحقق الأمن والأمان إلا بالوحدة والاجتماع والتعايش الكريم.
إن ما يجري في الساحة من أحداث نذير خطير لا تفيد فيه مسكنات قد تأخر معاناة ولكنها لا تمنع وقوعها من أجل هذا كله أيها المسلمون فيجب أن تكون وحدة المسلمين والحوار والتعايش فيما بينها على اختلاف مذاهبها ومكوناتها يجب أن يكون غايةً كبرى وهدفًا أساسًا ومصلحةً عليا ونهجًا ثابتًا وخطةً دائمة لا تقبل المساومة إن مما ينبعث في المنطقة من روائح الطائفية المنتنة الهوجاء يجب أن ينبذه أهل العلم والإيمان والفضل والعقل والرأي والصلاح يجب الحفاظ على كيان الأمة في أهلها وأمنها ومحاصرة كل بوادر فتنة وسد أبوابها، على كل صادق في دينه وناصح لأمته وساع بجد وإخلاص وإيمان لمصلحتها أن يعلن براءته إلى الله عز وجل من كل دعوة تخاصم شريعة الله وتجاهر في عدائها في تاريخها وصحابتها وأئمتها ورجالها وصالح سلفها يجب أن يعلن أن مثل هذه الدعوات والمسالك إما نهج استعماري أو مسار نفاقي أو طريق زندقة أو مسلك جاهل، إنها عند التحقيق لا يمكن أن تجتمع مع عصر الإسلام والدين والتوحيد والنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.