فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 830

كما يوجد هذا التمييع والتفريط عند بعض المسلمين في بلاد الإسلام بسبب الجهل أو رقة الديانة، أو الإعجاب بالكفار وا لانبهار بحضارتهم، ولذلك وجدنا من المسلمين اليوم من ينادي بالمساواة بين الأديان السماوية، وعدم التفرقة بين اليهودية والنصرانية والإسلام، والمؤمن المنصف يعرف - بداهة - تساقط هذين الرأيين، فأما الرأي الأول المتبني للغلظة والعنف مطلقًا، فهو يتنافى مع سمو الإسلام وسماحته وعالميته، ويتنافى أيضًا مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه، وعموم تعاملات النبي صلى الله عليه وسلم وتعاملات صحابته مع اليهود والمشركين تثبت تهافت هذا الرأي وسقوطه من ذلك:

1-قصة الرهط من اليهود الذين دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، فرد"وعليكم"فقالت عائشة - رضي الله عنها:"وعليكم السام واللعنة"فقال صلى الله عليه وسلم"مهلًا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله (9) ."

2-ولما قيل له صلى الله عليه وسلم ادع على المشركين قال:" إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" (10) ."

3-ولما قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إن دوسًا عصت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس قال: اللهم اهد دوسًا وات بهم"وفي رواية قال:"لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا (11) .

وأما حديث" لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه" (12) ."

فهو كناية عن عزة المسلم، فلا يكون ذليلًا أمام الكافر، فإذا لقيه فلا يبدأ بالسلام، ولا يفسح له في الطريق ويذل نفسه .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والمراد منع ابتدائهم بالسلام المشروع، فأما لو سلم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه، كأن يقول: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين فهو جائز، كما كتب النبي -صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل وغيره: سلام على من اتبع الهدى .. قال القرطبي في قوله:"وإذا لقيتموهم في طريق ...."معناه لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا، وعلى هذا فتكون الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى طرفه حتى يضيق عليهم، لأن ذلك أذى لهم، وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب) (13) . هذا ما يتعلق بالرأي الأول .

أما الرأي الثاني - الذي تبدو فيه الميوعة والتمييع لأصول الإسلام وثوابته، فهو أظهر ضعفًا، وأبين عوارا،ً ومصادمته لثوابت الشريعة لا تخفى على ذي إنصاف، إذ البراءة من الكفر وأهله، من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة قال تعالى:"وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون" [سورة الزخرف 26-28] .

والكلمة الباقية: هي لا إله إلا الله في قول كثير من المفسرين (14) .

يقول ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن عبد الله ورسوله وخليله إمام الحنفاء ووالد من بعث من بعده من الأنبياء الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان فقال:"إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه" أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، أي جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام) (15) ."

وجاء تفصيل موقف إبراهيم من أبيه وقومه في سورة الممتحنةفي قوله سبحانه:" قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء" [سورة الممتحنة 4] ."

والبراءة المذكورة في هذه الآية تعني الأمور الآتية:

1-إنكار الباطل والتبري منه:

والباطل وإن كان يشمل كل ما ضاد الحق مما لا يريده الله ورسوله من كفر وفسوق وعصيان، إلا أن المراد به هنا: الكفر، فلا بد من إنكاره باليد أو باللسان أو بالقلب .

هذا مع أن الإنكار القلبي هو الأساس، وهو مستقر في قلب المؤمن، وإن لم يستطع الإنكار باللسان أو باليد .

2-البغض والعداوة، وهما من أهم معالم البراءة:

وقد دلت عليهما نصوص كثيرة، كقوله تعالى في موقف إبراهيم عليه السلام من قومه:"وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" [الممتحنة 4] ."

وقوله:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" [المجادلة 22] ."

3-عدم الموالاة مطلقًا:

قال الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا" [سورة النساء 144] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت