وقال:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" [ سورة المائدة 51] .
وقال:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير" [سورة آل عمران 28] والآيات كثيرة .
أما الموالاة، فقال الراغب في مفرداته (16) : (الولاء والتولي أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية: النصرة) أ.هـ.
فهي تشمل: الموالاة القلبية، وهي ميل القلب إلى الكافر تعظيمًا وحبًا أو اعتقادًا بصحة ما هو عليه، ومن ذلك التشبه به .
والموالاة العملية: وهي الميل والاقتراب من الكافر في الأمور العملية: كمعاشرته، ومداهنته، وتقريبه، وجعله بطانة، وطاعته في غير ما شرع الله ومناصرته، والإقامة بين ظهراني المشركين من غير حاجة، ومشاركتهم في الأعياد. وهذه الموالاة متفرعة من الموالاة القلبية، لأنها - أي الموالاة العملية - لا تتم في الغالب إلا بميل القلب وإصغائه .
فكل ذلك موالاة ممنوعة، وهي تتفاوت في المفسدة، ولذلك كان منها ما هو مخرج من الملة، ومنها ما هو معصية كبيرة، ومنها ما هو صغيرة (17) ، ولا شك أن مقتضى البراءة عدم الموالاة مطلقًا .
الوقفة الخامسة:
يجب اعتبار حال المسلمين في القوة والضعف، وحال ظروف زمانهم، وملابسات قضاياهم، والنظر في مصالحهم الكبرى، وبذل الجهد في دفع المفاسد العظمى عنهم .
ولذلك نجد القرآن زاخرًا وحاشدًا بالآيات التي فصلت العلاقة بالكفار، وراعت أحوال الظروف والمواطن والزمن واتخذت المواقف المتناسقة معها، والمتأمل في ذلك يلحظ أن هذه المواقف جاءت على مرحلتين:
المرحلة الأولى: العهد المكي، وجملة الموقف منهم يتلخص في:
أ - المفاصلة الشعورية و تنافر القلوب بين المؤمنين والكافرين .
ب- الهجر الجميل، أو المقاطعة للكفار .
كما في قوله تعالى:"فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا" [سورة المزمل 10] .
ج- أمر المؤمنين بالصبر على الأذى .
كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون" [سورة النحل 127] ."
د - الأمر بالعفو والصفح .
كما في قوله تعالى: فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون [ سورة الزخرف 89] .
هـ- الأمر بكف اليد وعدم القتال .
كما في قوله تعالى:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب" [سورة النساء 77] (18) . الآية .
و - الاستمرار في الدعوة والنذارة، كما في قوله:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" [سورة الحجر 94] .
المرحلة الثانية: العهد المدني:ويتلخص الموقف في:
أ - تمييز المسلمين واستقلالهم في إقليم، وإعلان وحدتهم، ولذلك تكاملت التشريعات والأحكام العملية مع قصر هذا العهد .
ب- المواجهة مع الكفار، بالقوة البيانية، والقوة الاجتماعية، والقوة المادية .
ج- تشريع الجهاد .
وبه تحددت العلاقة مع الكفار على اختلافهم إلا أن هذا التشريع جاء على مراتب كما ذكر ابن القيم- رحمه الله - (19) ، وقد روعي في هذه المراتب واقع حال المسلمين وظروفهم وإمكانياتهم، ثم استقر أمر الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول"براءة"على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة .
د-منع موالاة المؤمنين للكافرين مطلقًا.
الوقفة السادسة:
لا بد من معرفة أنواع الكفار من حيث علاقة المسلمين بهم وأنهم:
1-إما أهل عهد .
2-وإما من ليس له عهد .
وأهل العهد ثلاثة أصناف:
أ - أهل الذمة (20) :
وهم الذين يعطون عقدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام إذا أعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام .
ب- المستأمنون:
وهم الذين يعطون عقدًا مؤقتًا للبقاء في دار الإسلام لغرض شرعي، كسماع كلام الله، أو تجارة أو سفارة .
ج- أهل الصلح والهدنة:
وهم الكفار الذين بينهم وبين دولة الإسلام عهد، إما عهد هدنة، وهو الاتفاق على إيقاف الحرب لمدة معلومة، وإما معاهدة مطلقة (21) .
والذين لا عهد لهم صنفان في الجملة:
أ - إما كفار أصليون محاربون (22) :
وهم الذين لا عهد لهم ولا ذمة، سواء أكانوا محاربين فعلًا أم لا، فإن من ليس له عهد لا يستبعد منه الحرب للمسلمين .
ب - وإما مرتدون عن الإسلام (23) .
هذه هي أنواع الكفار من حيث علاقة المسلمين بهم، ومسألة هل الأصل في علاقة المسلمين بالكفار السلم أو الحرب شامل لجميع هذه الأنواع السابقة .
والآن قد حان الشروع إلى المقصود وأقول مستعينًا بالله:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (24) .