وقوله تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يجب أن يفهم في ضوء السياق وأسباب النزول للآيات فالآية التي تليها تشير إلى أن اليهود والنصارى كانوا معادين للمسلمين، وكانوا في حالة من القوة والمنعة بحيث أصبح كثير من المنافقين ومرضى القلوب يحاولون التقرب إليهم، والموالاة لهم على حساب دينهم وأمتهم وجماعتهم. وهذا لا ينازع منصف في أنه خطر على سيادة الأمة ووحدتها وتماسكها، ولا سيما في مرحلة تكوينها وتأسيس بنيانها.
تقول الآية الكريمة التالية للآية المذكورة: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} (المائدة: 52-53) .
فالواضح من هذه الآية الأخيرة أننا أمام جماعة من المنافقين الانتهازيين المخادعين الذين يخونون جماعتهم، ويوالون أعداءها، ويحلفون لهم كاذبين إنهم لمعكم! ولذا يقول القرآن: (حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) .
ولا غرو أن من يوالي الأعداء وينضم إليهم، ويلقي إليهم بالمودة على حساب أمته أمر مجرَّم ومحرَّم وطنيا ودينيا، ولا سيما في أوقات الصراع والحروب، فهو في نظر الوطنية خيانة، وهو في نظر الدين ردة، وهي معنى قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) .
ومن هنا جاءت الآية التالية تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} (المائدة: 54) .
كأن الآية تقول: إن هؤلاء الذين خانوا قومهم وانضموا إلى أعدائهم، وارتدوا عن دينهم، سيعوِّض الله الأمة خيرا منهم بجيل جديد أو أجيال جديدة على نقيض هؤلاء.
فهذه الآيات ليست في مطلق يهود ونصارى عاديين مسالمين للمسلمين، بل في يهود ونصارى معادين لهم، محاربين لدعوتهم، كاليهود الذين نقضوا عهد رسول الله، وانضموا إلى أعدائه من الوثنيين المشركين، الذين أغاروا على المدينة، وأرادوا القضاء على الرسول وأصحابه، واستئصال شأفة المسلمين، واقتلاع الإسلام من جذوره.
والآيات التالية في سياق النهي عن الولاء لليهود والنصارى تؤكد ذلك. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} (المائدة: 57-58) .
فهؤلاء قوم أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله، وهزؤوا بعقيدته، وهزؤوا بشعائره، وأعظمها الصلاة، واتخذوها هزوا ولعبا.
أما اليهود والنصارى العاديون المسالمون، فهم في نظر المسلمين أهل كتاب، أجاز القرآن مؤاكلتهم كما أجاز مصاهرتهم {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (المائدة: 5) .
وإذا كان أهل الكتاب لهم مكانة خاصة ومعاملة خاصة لدى المسلمين، فإن النصارى منهم يعتبرهم القرآن أقرب مودة للمسلمين من اليهود الذين بارزوه بالعداوة برغم مبادرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- بعقد الاتفاقية معهم بُعَيد هجرته إلى المدينة، وقد جعلهم فئة من أهل الدار يتناصرون في السلم والحرب، ويتواسون في السراء والضراء.
ولعل الآيات التي صدرت بها سورة الروم تدلنا بجلاء على قرب النصارى من المسلمين، فقد قامت حرب بين الدولتين العظيمتين في ذلك الزمن: الفرس في الشرق، والروم في الغرب، وانتصر الفرس على الروم في أول الأمر، فحزن لذلك المسلمون وفرح المشركون لأن الفرس مجوس يعبدون النار، ويعبدون إلهين للخير والشر، أو للنور والظلمة، فهم أقرب إلى مشركي العرب عبدة الأوثان، والروم كانوا نصارى أهل كتاب، فكانوا أقرب إلى المسلمين.