فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 830

وتجادل الفريقان وتراهنوا حول مستقبل الأمتين، ولمن تكون الغلبة بعد؟ وكان المسلمون بطبيعة الحال مع الروم، والمشركون مع الفرس، فنزل قوله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الروم: 1-5) .

انظر كيف بشر القرآن المسلمين بنصر الروم، وكيف عبّر عن مشاعر المسلمين بقوله: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) . فهذا هو موقف الإسلام المبدئي من أهل الكتاب عامة، ومن النصارى خاصة.

وهذا لا يمنع أن تأتي آيات من القرآن تنقد اليهود أو النصارى أو أهل الكتاب عامة، فيما حرَّفوا من كتبهم، وما بدَّلوا من عقائد موسى وعيسى، ومن ملة إبراهيم، وما غيروا من شرائع أنبيائهم، فالقرآن قد جاء مصدقا ومتمما للتوراة والإنجيل، كما أعلن ذلك في آيات كثيرة، كما جاء أيضا (مصححا) لها، أو بتعبير آخر (مهيمنا عليها) كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة: 48) .

كما ينقد القرآن مواقف أهل الكتاب -خصوصا اليهود- من دعوة الإسلام، ورسول الإسلام وأمة الإسلام، ومع هذا يأمر الرسول والمسلمين بالعفو والصفح، كما في قوله تعالى في سورة البقرة: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 109) .

ومعنى: (حتى يأتي الله بأمره) أي حتى يشرح الله صدورهم للإسلام، أو يروا انتصار الإسلام وعلو كلمته أمام أعينهم.

وقد أكدت سورة المائدة -وهي من أواخر ما نزل من القرآن- ذلك في قوله تعالى في شأن بني إسرائيل، وقد نقضوا ما أخذ الله عليهم من ميثاق: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة: 13) .

فرغم ظهور الخيانة من أكثرهم أمر الرسول أن يعفو عنهم ويصفح، فهذا من الإحسان الذي يحبه الله تعالى. وهذا في نفس السورة التي نهت عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.

ونلاحظ أن القرآن حين دان بني إسرائيل قال: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ} وذلك ليؤسس منهج العدل مع الخصوم في الرضا والغضب، ولذلك استثنى فقال: (إلا قليلا منهم) .

وهذا هو نهج القرآن معهم ففي سورة آل عمران بعد أن تحدث عن بعض مساوئهم التاريخية، وقتلهم الأنبياء بغير حق، قال: {لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 113-115) .

ويقرر القرآن أن من أقام منهم الأركان الأساسية للدين، وهي: الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالخلود والجزاء في الآخرة، والعمل الصالح، فإن الله لن يضيع أجره، ولن يخيب سعيه، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج: 17) .

وقد كرر القرآن هذا المعنى وأكده في آية أخرى من سورة المائدة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة: 69) .

* آية {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى} :

ومن الآيات التي تذكر كثيرا ويساء فهمها في العلاقة بين المسلمين من ناحية واليهود والنصارى من ناحية أخرى قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة: 120) .

أرى كثيرا من المتدينين المسلمين الذين لا يتدبرون الآيات، ولا يتأملون النصوص بعمق وتأمل يجدون في هذه الآية حائلا دون التفاهم والتعايش والتصالح مع اليهود والنصارى. وهذا ليس بصحيح، ولا ينبثق هذا التفكير عن فهم سليم للآية الكريمة لعدة أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت