فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 830

أولا: لأن الآية خطاب خاص للرسول صلى الله عليه وسلم: (وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ) ولم تجئ بلفظ عام من ألفاظ العموم المعروفة.

وثانيا: لو سلمنا بأنها خطاب للجميع، فإنها لا تدل على أكثر من عدم رضاهم عنا -الرضا الكامل، أو الرضا المطلق- حتى نتبع ملتهم. وهذا شأن كل ذي ملة متمسك بملته حريص عليها. ونحن كذلك لا نرضى عنهم تمام الرضا حتى يتبعوا ملتنا فهو موقف طبيعي ومتبادل بين أهل الملل أو أهل الأديان جميعا، وقد قال تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} (البقرة: 145) .

وثالثا: إن هدفنا ليس إرضاء اليهود والنصارى، حتى يكون عدم رضاهم حجر عثرة في طريقنا، أو عائقا دون تفاهمنا وتعايشنا، بل هدفنا هو إرضاء الله تبارك وتعالى قبل كل شيء -وسواء رضي الناس عنا أم سخطوا- ولن نبيع رضوان الله تعالى برضا أي مخلوق كان، ولا بأي ثمن مادي أو أدبي، ولو وضعوا الشمس في أيماننا، والقمر في شمائلنا، ما فرطنا مثقال ذرة في ابتغاء مرضاة ربنا.

ورابعا: أن الإسلام -برغم وجود هذه الآية- لم يمنع المسلم أن يؤاكل اليهودي أو النصراني، وأن يصاهره، فيتزوج ابنته أو أخته أو قريبته، وينجب منها أولادا، يبرون أمهاتهم وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم، ويعاملونهم بما يجب لذوي الأرحام وأولي القربى من الحقوق والحرمات. كما قال تعالى: {وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} (الأنفال: 75) . {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ} (النساء: 1) .

-حديث (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام...) .

وأما حديث"لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" ( [10] ) . فهذا مقيد بأيام الصراع والحروب، لا بأيام الاستقرار والسلام، وقد كان بعض الصحابة يقرأ السلام على كل من لقيه من مسلم وغير مسلم، عملا بالأمر بإفشاء السلام.

وهل من المعقول أن يبيح الإسلام للمسلم الزواج بالمسيحية ولا يبيح له أن يسلم عليها؟ وهل يمنع الولد أن يسلم على أمه أو على خاله أو خالته أو جده أو جدته‍وقد أمره الله بصلة الرحم، وإيتاء ذي القربى؟!.

وحسبنا هذا النص القرآني العام المحكم: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) . فالقسط هو العدل، والبر هو الإحسان، وهو شيء فوق العدل. العدل: أن تعطي الحق، والبر أن تعطي فوق الحق، العدل: أن تأخذ مالك من حق، والبر: أن تتنازل عن بعض حقك أو عن حقك كله، وهذا ما رغب فيه القرآن في التعامل مع المسالمين من غير المسلمين.

إلقاء السلام على المسلمين وغير المسلمين:

أما إلقاء السلام على غير المسلمين فإن كانوا في مجلس يجمع بينهم وبين المسلمين خلاف في جواز من إلقاء السلام عليهم، وقد روى البخاري في صحيحه أن"رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركب حمارا حتى مر على مجلس فيه أخلاط المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وفي المجلس ابن رواحة، فسلم عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم وقف فنزل..." ( [11] ) .

وقد بوب البخاري لهذا الحديث بعنوان:"باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين".

وقال النووي: السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم ( [12] ) .

ابتداؤهم بالسلام إذا كانوا وحدهم:

وأما ابتداؤهم بالسلام إذا كانوا وحدهم فذهب جمع من السلف إلى جواز إلقاء السلام عليهم، واستدلوا بأدلة منها:

1.قوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) . ومن برهم: إلقاء السلام عليهم.

2.وقوله على لسان إبراهيم لأبيه: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} (مريم: 47) .

3.وقوله تعالى آمرا نبيه: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} ( [13] ) .

وذكر القرطبي أن عددًا من السلف فعل ذلك، ومنهم ابن مسعود، والحسن، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز. كما ذكر ابن حجر في الفتح أن أبا أمامة، وابن عيينة فعلا ذلك أيضا.

ومما ورد أن ابن مسعود فعله مع دهقان صحبه في طريقه، فلما سئل: أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ قال: بلى، ولكن حق الصحبة.

وكان أبو أمامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني، ولا صغير ولا كبير إلا سلّم عليه، فقيل له في ذلك، فقال: أمرنا أن نفشي السلام.

وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك.

وقال أبو أمامة: إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا ( [14] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت