وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عون بن عبد الله عن محمد بن كعب: أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال: نرد عليهم ولا نبدؤهم. قال عون: فقلت له: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأسا أن نبدأهم ( [15] ) .
أما حديث مسلم:"لا تبدؤوا اليهود بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريقه فاضطروه إلى أضيقه" ( [16] ) ، فهو مقيد بأيام الحرب، ويدل على ذلك ما رواه البخاري في الأدب المفرد والنسائي عن أبي بصرة أن رسول الله قال:"إني راكب غدًا إلى اليهود فلا تبدؤوهم بالسلام" ( [17] ) .
ويمكن القول بتأكيد الجواز إن كان هناك سبب يستدعي السلام كقرابة أو صحبة، أو جوار، أو سفر، أو حاجة، وقد ذكر القرطبي ذلك عن النخعي فقال مؤوِّلا حديث أبي هريرة"لا تبدؤوهم بالسلام": إذا كان بغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤهم بالسلام من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق أو جوار، أو سفر ( [18] ) .
أما إذا كانت التحية بغير السلام فلا مانع منها، كأن يقول له صباح الخير، مرحبا، مساء الخير.
رد السلام على غير المسلم:
وأما رد السلام على غير المسلم، فقد اتفق العلماء على أنه يرد على أهل الكتاب بـ"وعليكم" ( [19] ) . ويشهد لذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" ( [20] ) .
وقد جعل البخاري هذا الحديث تحت باب:"كيف الرد على أهل الذمة"، وعلّق على ذلك ابن حجر بقوله: في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لا مانع من رد السلام على أهل الذمة، فلذلك ترجم بالكيفية ( [21] ) .
ويكون الرد بهذه الصيغة"وعليكم"إذا تحقق أنه قال:"السام عليكم"أو شك فيما قال ( [22] ) .
أما إذا تحقق من قول"السلام عليكم"قال ابن القيم: فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالإحسان، وقد قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (النساء: 86) ، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل ( [23] ) .
وقال الحافظ في الفتح:"قال ابن بطال: قال: رد السلام على أهل الذمة فرض لعموم الآية، وثبت عن ابن عباس أنه قال: من سلم عليك فرد عليه ولو كان مجوسيا" ( [24] ) .
وكنت قد قرأت منذ زمن بعيد كلاما لشيخنا العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره"المنار"وأحب أن أنقل هنا بعض فقرات مما قاله:"إن الإسلام دين عام، ومن مقاصده نشر آدابه وفضائله في الناس ولو بالتدريج، وجذب بعضهم إلى بعض ليكون البشر كلهم إخوة. ومن آداب الإسلام التي كانت فاشية في عهد النبوة إفشاء السلام إلا مع المحاربين لأن من سلم على أحد فقد أمنه، فإذا فتك به بعد ذلك كان خائنا ناكثا للعهد."
ورُوي عن بعض الصحابة كابن عباس أنهم كانوا يقولون للذمي: السلام عليك. وعن الشعبي من أئمة السلف أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة الله تعالى. فقيل له في ذلك فقال: أليس في رحمة الله يعيش. وفي حديث البخاري الأمر بالسلام على من تعرف ومن لا تعرف، وروى ابن المنذر عن الحسن أنه قال {فحيوا بأحسن منها} للمسلمين، {أو ردوها} لأهل الكتاب، وعليه يقال للكتابي في رد السلام عين ما يقوله وإن كان فيه ذكر الرحمة"."
إلى أن يقول رحمه الله:"أما جعل تحية الإسلام عامة فعندي أن ذلك مطلوب، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن اليهود كانوا يسلمون على المسلمين فيردون عليهم، فكان من تحريفهم ما كان سببا لأمر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بأمر المسلمين أن يردوا عليهم بلفظ {وعليكم} ، حتى لا يكونوا مخدوعين للمحرفين."
ومن مقتضى القواعد أن الشيء يزول بزوال سببه. ولم يرد أن أحدا من الصحابة نهى اليهود عن السلام لأنهم لم يكونوا ليحظروا على الناس آداب الإسلام، ولكن خلف من بعدهم خلف أرادوا أن يمنعوا غير المسلم من كل شيء يعمله المسلم حتى من النظر في القرآن وقراءة الكتب المشتملة على آياته، وظنوا أن هذا تعظيم للدين، وصون له من المخالفين، وكلما زادوا بعدا عن حقيقة الإسلام زادوا إيغالا في هذا الضرب من التعظيم، وإنهم ليشاهدون النصارى في هذا العصر يجتهدون بنشر دينهم، ويوزعون كثيرا من كتبه على الناس مجانا، ويعلمون أولاد المخالفين لهم في مدارسهم ليقربوهم من دينهم، ويجتهدون في تحويل الناس إلى عاداتهم وشعائرهم ليقربوا من دينهم.
وقال رحمه الله عن حديث"لا تبدؤوهم بالسلام":"فيظهر هنا أنه نهاهم أن يبدءوهم لأن السلام تأمين، وما كان يجب أن يؤمنهم وهو غير أمين منهم لما تكرر من غدرهم ونكثهم للعهد معه فكان ترك السلام عليهم تخويفا ليكونوا أقرب إلى المواتاة، وقد نقل النووي ( [25] ) في شرح مسلم جواز ابتدائهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيريز رضي الله عنه قال:"وهو وجه لأصحابنا" ( [26] ) ."
2-قضية الجزية: