فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 830

برغم الصحائف المشرقة التي تؤكد مبادئ العدالة والسماحة التي جاء بها الإسلام، وبرغم التاريخ الحافل بالتسامح الفذ في شتى صوره ومظاهره رأينا بعض المستشرقين أثاروا بعض شبهات جمعوها من هنا وهناك، وحسبوها تشوِّه هذا الموقف الناصع، والتاريخ الرائع. والحقيقة أن هذه المسائل التي أثيرت حولها تلك الشبهات لو فهمت على وجهها، ووُضعت في زمنها وإطارها، لكانت مأثرة للإسلام وأمته في علاقاته مع أهل الذمة.

فمن هذه الشبهات التي أثارها ويثيرها المستشرقون: قضية (الجزية) التي غلفت بظلال كئيبة، وتفسيرات سوداء، جعلت أهل الذمة يفزعون من مجرد ذكر اسمها، فهي في نظرهم ضريبة ذل وهوان، وعقوبة فرضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام. وهذه لا شك نظرة زائفة، ولا أساس لها من أحكام الإسلام وتعاليمه وفلسفته العامة.

ومن نظر إلى الأمم الغالبة قبل الإسلام وإلى ما كانوا يفرضونه على الأمم المغلوبة، تبين له عدل الإسلام وسماحته التي لا نظير لها.

وقد بينت في كتابي (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) وجه إيجاب الجزية على الذميين، وأنها بدل عن فريضتين فرضتا على المسلمين: فريضة لها طابع عسكري، وأخرى لها طابع مالي فريضة الجهاد، وفريضة الزكاة، وخصوصا فريضة الجهاد، فهي الأقرب إلى أن تكون الجزية بديلا عنها. ونظرا لـ (الطبيعة الدينية) لهاتين الفريضتين لم يلزم الإسلام بهما غير المسلمين.

على أنه في حالة اشتراك الذميين في الخدمة العسكرية والدفاع عن الحَوْزة مع المسلمين فإن الجزية تسقط عنهم.

كما أني بحثت في كتابي (فقه الزكاة) مدى جواز أخذ ضريبة من أهل الذمة بمقدار الزكاة، ليتساووا بالمسلمين في الالتزامات المالية، وإن لم تُسمَ (زكاة) نظرا لحساسية هذا العنوان بالنظر إلى الفريقين. ولا يلزم أيضا أن تُسمى (جزية) ماداموا يأنفون من ذلك. وقد أخذ عمر -رضيالله عنه- من (نصارى بني تغلب) -وهم قوم عرب- (الجزية) باسم (الصدقة) حين طلبوا منه ذلك، تألفا لهم، واعتبارا بالمسميات لا بالأسماء ( [27] ) إذ المقصود أن يدفعوا ما يدل على إذعانهم لسلطان الدولة الإسلامية.

وزيادة في الإيضاح والبيان، ودفعا لكل شبهة، وردًّا لأية فرية، يسرني أن أسجل هنا ما كتبه المؤرخ المعروف سير توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) عن الغرض من فرض الجزية وعلى من فُرضت. قال ( [28] ) :"ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين -كما يريدنا بعض الباحثين على الظن- لونا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين. ولما قدم أهل الحيرة المال المتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم دفعوا هذه الجزية على شريطة:"أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم". ( [29] ) "

كذلك حدث أن سجل خالد في المعاهدة التي أبرمها مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله:"فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا". ( [30] )

ويمكن الحكم على مدى اعتراف المسلمين الصريح بهذا الشرط، من تلك الحادثة التي وقعت في عهد الخليفة عمر. لما حشد الإمبراطور هرقل جيشا ضخما لصد قوات المسلمين المحتلة، كان لزاما على المسلمين -نتيجة لما حدث- أن يركزوا كل نشاطهم في المعركة التي أحدقت بهم. فلما علم بذلك أبو عبيدة قائد العرب كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم برد ما جُبي من الجزية من هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول:"إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم". وبذلك ردت مبالغ طائلة من مال الدولة، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين، وقالوا:"ردكم الله علينا، ونصركم عليهم (أي على الروم) .. فلو كانوا هم، لم يردوا علينا شيئا، وأخذوا كل شيء بقي لنا". ( [31] )

وقد فرضت الجزية -كما ذكرنا- على القادرين من الذكور مقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بها لو كانوا مسلمين، ومن الواضح أن أي جماعة مسيحية كانت تُعفى من أداء هذه الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي. وكانت الحال على هذا النحو مع قبيلة (الجراجمة) وهي مسيحية كانت تقيم بجوار أنطاكية، سالمت المسلمين وتعهدت أن تكون عونا لهم، وأن تقاتل معهم في مغازيهم، على شريطة ألا تؤخذ بالجزية، وأن تعطى نصيبها من الغنائم. ( [32] )

ولما اندفعت الفتوح الإسلامية إلى شمال فارس سنة 22هـ، أبرم مثل هذا الحلف مع إحدى القبائل التي تقيم على حدود تلك البلاد، وأعفيت من أداء الجزية مقابل الخدمة العسكرية. ( [33] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت