وقد يكون من المفيد أن نذكّر بهذه المناسبة، بالنص القرآني الحاسم لهذه القضية في سورة التوبة -وهي من أواخر ما نزل- الذي نزل بمناسبة التحضير لغزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، التي سميت بغزوة العسرة، وسمي جيشها بجيش العسرة، وكان في أشد الظروف الطبيعية قسوة، عندما تخاذل الكم الهائل عن الذهاب، وبدأت صناعة فلسفات الهزيمة تستميل النفوس الضعيفة، وتحركت الفئة القليلة لممارسة الإنجاز الكبير، عندها قال الرسول صلى الله عليه و سلم في مجال التبرع والعطاء: (سبق درهمٌ مائةَ ألف درهم) ، قالوا: يا رسول الله! وكيف؟ قال: (رجل له درهمان فأخذ أحدَهما فتصدّق به، ورجل له مالٌ كثيرٌ فأخذ من عُرْضِ ماله مائة ألف فتصدّقَ به) (رواه النسائي، عن أبي هريرة) ، فالأمر لا يُعَايَر بالقلة والكثرة.
نعود للنص القرآني المجرد عن حدود الزمان والمكان، لننظر له من زاوية أخرى.. هذا النص الذي يتلوه المسلم، ويتعبد به صباح مساء، والذي نزل لمعالجة حالة التخاذل وتصويب المعيار، وتقرير الحقيقة التاريخية التي ما تزال تعيش في عقول المسلمين ووجدانهم، قال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40) .
لقد تحقق النصر الكبير في طريق الهجرة، كما هو معلوم ومعروف للجميع، بواحد أولًا وبثاني اثنين، وكان ما نعلم جميعًا من إقامة الدولة المسلمة النواة، قبل أن تكون هذه الجموع المتخاذلة عن الذهاب إلى تبوك، فلم تكن القلة تعني الهزيمة، ولا الكثرة تعني النصر.. وهذه الوقائع التاريخية من تجارب النبوة، ما تزال ماثلة للعيون، فإذا أضفنا إلى ذلك اليوم أن الإبداعات التكنولوجية، التي جاءت ثمرة للعقول القليلة، قد ألغت قيمة الكثرة في المجالات الحياتية المتعددة، الاقتصادية والعسكرية والسياسية والتنموية والاجتماعية، نتأكد أن القضايا الحضارية لا تحكمها موازين القلة والكثرة.
وحسبنا في هذا الموضوع دليلًا من واقع عدونا، بعد أن نسينا تاريخنا، ودخلنا مرحلة (القَصْعَة) ، وحالة (الغُثَاء) ، و (الوَهْن) الحضاري، التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم، كما ذكرنا آنفًا.
فاليهود في العالم لا يتجاوزون الثلاثين مليونًا، حتى في الحسابات المبالغ فيها، ومع ذلك هم يحكمون أو يتحكمون بالعالم، بكل ملياراته وأعداده الضخمة، وليس في ذلك مبالغة، ولا الانطلاق من مركب نقص، لأنه حقيقة ماثلة أمام الجميع، سواء في ذلك من قَبِلَها أو رفضها، ومَن تجاهلها أو جهلها.
فالقضية وما فيها كما يقولون، تحكمها القدرة على استيعاب سنن التدافع الحضاري، والقدرة على التفكير الاستراتيجي، وإمكانية الاستنبات في كل الظروف، وحسن التقدير والتسخير للمواقع المتاحة.. هي في حقيقة الأمر، في التحقق بالتقوى بمعناها الأعم، وانبعاث الفاعلية، واكتشاف المواقع والمنابر المؤثرة، وتوفر عنصري الإخلاص والصواب معًا، ليجيء العمل حسنًا، كما فهم الفضيل بن عياض رحمه الله قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملًا) (هود: 7) ، بأن العمل لا يبلغ مرتبة الحسن ما لم يتوفر له الإخلاص في النية، والصواب، أو ما يمكن أن نطلق عليه الإرادة والقوة، الحماس والاختصاص، أو بمعنى آخر العمل للوصول إلى بناء الإنسان العدل، والتخلص من الإنسان الكَلّ.
وهنا نقول: كم من الحالات والشدائد، التي نصبح أحوج ما نكون فيها إلى النماذج المتكررة لنعيم بن مسعود رضي الله عنه، الذي قام بالدور العظيم في معركة الأحزاب، وهو كما قال عنه الرسول صلى الله عليه و سلم: (إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا ما استطعت) .
من هنا أقول: إن الكلام عن قضية الأقلية والأكثرية، أو عن فقه الأقلية والأكثرية، يحتاج إلى الكثير من الدقة، فكم من أكثرية لا قيمة لها ولا نفوذ ولا قرار، وكم من أقلية تمتلك إدارة الأمور والتشريع لها.
فالقضية قضية واقع، أو حالة حضارية أو ثقافية، يمكن أن تلحق بالأكثرية أو بالأقلية، تحتاج إلى فقه ونظر واجتهاد، وليست قضية محصورة بفقه الأقلية بالشكل المطلق.
والأمر الذي نرى أنه من المفيد لفت النظر إليه في هذا المجال، أن الوجود الإسلامي العالمي هو من طبيعة هذا الدين، الذي ابتعث رسوله رحمة للعالمين، ومن مقتضيات رسالته، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107) ، (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا) (سبأ: 28) .. وخطابه بدأ عالميًا منذ اللحظات أو الخطوات الأولى في مكة، فمعظم الآيات بدأت خطابها بقوله تعالى: (يا أيها الناس) ، لتستبين السبيل، وتتضح الرؤية، وتدرك أبعاد المهمة من أول الطريق.