فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 830

وأكثر من ذلك، فقد اعتبرت جذور هذا الدين ممتدة حتى النبوة الأولى، قال تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) (الأعلى: 18-19) . وقال: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (الشورى: 13) . كما اعتبر الأنبياء وأتباعهم على مدار التاريخ أمة واحدة، حتى لو اختلفت المواقع الجغرافية والأزمنة التاريخية، قال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) (الأنبياء: 92) ، وإن صورة الكمال والاكتمال التاريخي لرحلة النبوة تحققت في الرسالة الخاتمة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) (المائدة: 4) .

وكانت مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام، القيام بمهمة البلاغ المبين، وإظهار الدين، واستيعاب رحلة النبوة وإكمالها، قال صلى الله عليه و سلم: (مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياء من قبلي كَمَثَل رجلٍ بنى بنيانًا فأحسنه وأَجْمَلَهُ إلا موضع لبنةٍ، من زاويةٍ من زواياه، فجعل الناسُ يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاَّ وُضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة) .

ولقد تعهد الله سبحانه وتعالى بإظهار هذا الدين على الدين كله، فقال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (التوبة: 33) . والإظهار يعني فيما يعني الامتداد والبلوغ لسائر المواقع الجغرافية، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ليبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَر ولا وَبَر، إلا أدخله اللهُ هذا الدين، بعِزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ به الكفر) (رواه الإمام أحمد عن تميم الداري) ، حيث سيعم البلاغ الحواضر والبوادي، وهذا يعني تحقيق الوجود الإسلامي في كل المواقع الجغرافية.. ووجود المسلمين يعني إقامة أحكام الشرع الإسلامي، والانضباط بالقيم الإسلامية على الأصعدة المتعددة المتاحة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وإداريًا، وتربويًا، في ضوء الاستطاعات المتاحة.

لذلك كان فهم الصحابة لأبعاد المهمة واستجابتهم، منسجمًا مع التكليف الشرعي، فحملوا الإسلام صوب العالم كله، لإخراجه من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، واستطاعوا العيش والتكيف مع كل الظروف، شأنهم في ذلك شأن الإسلام بمبادئه العالمية والإنسانية، واستوطنوا البلاد، وعاشوا إسلامهم بمقدار استطاعاتهم، استجابة لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعت) (التغابن: 16) ، ولم يحسوا بعقدة الاغتراب، أو أن يميزوا في مجال الدعوة بين أرض وأرض، فالأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده، أو بين شعب وشعب، وجنس وجنس، فالأكرم الأتقى، أو بين أقلية وأكثرية، وإنما هي قدرات واستطاعات قد تتوفر في إطار الأقلية العددية، فيكون الواحد بمائة أو بألف: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) (الأنفال: 65) .

والغلبة هنا لا تقتصر على الغلبة العسكرية، وإنما تتجاوز إلى أبعاد أخرى، حتى تستوعب الغلبة والظهور الحضاري والثقافي، كما أسلفنا، وتغيب في مجال الأكثرية العددية، وقد يكون العكس هو الصحيح، ولكل حالة فقهها ومتطلباتها.

ولعل مما ساعد الإسلام على الظهور والانتشار، وجعل للإسلام وجودًا في كل المواقع، أنه اعتبر اعتناقه أو الإيمان به خيارًا إنسانيًا، وجاء هذا الخيار ليكون عنوانًا لكرامة وإرادة وحرية الإنسان، قال تعالى: (لست عليهم بمصيطر ) (الغاشية: 22) . وقال: (وما أنت عليهم بجبار ) (ق: 45) ، وقال: (لا إكراه في الدين) (البقرة: 256) بدون سيطرة أو جبروت أو إكراه، وجعل الأمة المسلمة أو المجتمع الإسلامي مجتمعًا مفتوحًا لكل الأجناس والأعراق والألوان، وبذلك نفى عن هذا الدين العنصرية والتعصب والانغلاق على لون أو جنس أو جغرافيا، كما هو حال كل الحضارات التاريخية، فليس أحد بأحق به من أحد، فـ (سلمان منّا آل البيت) ، و (أبو جهل فرعون هذه الأمة) .. وأي إنسان يعتنق الإسلام، يتمتع بالأخوة الإسلامية وحقوقها، ويكون له من الحقوق وعليه من الواجبات ما على كل مسلم.

لذلك يمكن القول: بأن هذا مكّن من الانتشار والوجود في كل المواقع، وكسر كل أسوار التعصب والانغلاق، وأدى إلى الاندماج والانفتاح والتعاون وإنتاج المسلم -حيثما وجد الإنسان- الذي لا يعاني من عقدة اللون أو الجنس أو العرق أو الاغتراب، وأنه يمكن له أن يكون مسلمًا يمارس التكاليف الشرعية، في حدود ما يمتلك من استطاعة، قال تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) (البقرة: 286) ، وهذا يعني أن يطبق الإسلام في كل أحواله طالما استفرغ استطاعته.

ومن القضايا ذات الصلة المباشرة بموضوع الوجود الإسلامي في البلاد التي توصف بأنها غير إسلامية، قضية الهجرة، التي تعتبر من الجهاد ومن لوازم مهمة البلاغ المبين ومراغمة أعداء الله، وقد سبق أن أشرنا إلى عالمية الرسالة الإسلامية، ومهمة البلاغ المبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت