ما سبق فيه شيء من التعميم، فلا ينفي وجود تفاوت بين بلد أوروبي وبلد، وبين عمل قائم وعمل آخر، ولكنه يمثل المعالم الكبرى للصورة العامة المشهودة على أرض الواقع. والانطلاق من هذا الواقع القائم يفرض علينا طرح عدد من الجوانب المبدئية لمسألة المشاركة السياسية، قبل الانتقال إلى صلب الموضوع، والمقصود:
1-المسلمون في أوروبا في حاجة أوّلا إلى تحديد ما تعنيه كلمة"نحن"وموقعها في المجتمعات الأوروبية، عندما يطرحون قضاياهم، لا سيما من مستوى قضية المشاركة السياسية، كما أنّهم في حاجة إلى أن يكون الجواب على هذا السؤال مقنعا للنسبة الأعظم منه، وإلاّ لا يكون جوابا صالحا لبناء تصوّر صحيح أو مخطط قويم للعمل من أجل هدف كبير مشترك، وأن يكون مقنعا لغالبية السكان، وإلاّ لا يتحقق الشرط الموضوعي لممارسة سياسية طبيعية من الضروري ألا تتحوّل إلى"معركة"غير متكافئة.
2-والمسلمون في أوروبا في حاجة إلى ضبط مصطلحاتهم عموما، وهو ما يسري في الموضوع المطروح على كلمة المشاركة السياسية وما يتفرّع عنها، وبالتالي ضبط المضامين التي تشملها، والتصوّرات والمناهج التي يمكن اعتمادها تحت هذا العنوان،وأن يقوم ضبط المصطلحات على رؤية واعية منهجية بعيدة عن الأماني المطلقة وعن التخوّف في وقت واحد.
3-والمسلمون في أوروبا في حاجة تبعا لذلك إلى تثبيت الهدف البعيد الممكن والمشروع للمشاركة السياسية، وكذلك إلى تحديد الأهداف المرحلية انطلاقا من الواقع الآني بمختلف جوانبه، وعلى ضوء تقدير ما يقرّب من تحقيق الهدف البعيد ولا يتناقض معه.
4-والمسلمون في أوروبا في حاجة إلى تحديد وسائلهم بما يجمع بين مقتضيات الكلمتين معا، أي كونهم مسلمين، وكونهم في أوروبا في وقت واحد.
5-والمسلمون في أوروبا في حاجة من وراء ذلك كلّه أن يطرحوا قضية المشاركة السياسية طرحا يراعي تعدّد الأطراف ذات العلاقة بها، بدءا بهم أنفسهم، مرورا بشركائهم في المجتمع الواحد الذي ينتمون إليه، انتهاء بالبيئة العالمية من حولهم.
المواطنون المسلمون
ليس المقصود بكلمة"المسلمين في أوروبا"تحت عنوان"المشاركة السياسية"ما شاع من تصوّرات تحت عنوان"الإسلاميين"، فبغض النظر عن المعنى اللغوي للكلمة، وعن استخداماتها الأصلية، يبقى أنّ المقصود بكلمة"نحن المسلمين في أوروبا"شامل لجميع من ينتمي إلى الإسلام دينا، من ملتزمين به وغير ملتزمين، من ناشطين في منظمات إسلامية تقليدية أو غير ناشطين، من جيل المقيمين بعد أن كانوا وافدين، ومن أولادهم وأحفادهم من الأوروبيين مولدا ونشأة، إضافة إلى المسلمين المنحدرين من أصول أوروبية. وبهذا المنظور يجب أن تتوافر النظرة الشمولية في تحديد ما يتعلّق بالمشاركة السياسية، وتجنّب النظرات الإقصائية والمحدودة الضيّقة.
ونحن كما نقول المسيحيين الأوروبيين، نقول المسلمين الأوروبيين، عندما يكون موضوع تحديد الهوية متعلقة بالانتماء الديني، أما عندما يكون موضوع تحديد الهوية متعلقا بالمشاركة السياسية، فالأصح أن نقول المواطنين الأوروبيين من أتباع الدين الإسلامي مثلما نقول المواطن الأوروبي من أتباع الكاثوليكية أو البروتستانتية أو سواها.
المسلمون في أوروبا بهذا المنظور فئة من فئات المجتمع الأوروبي الذي يعيشون فيه، وعندما يتميّزون بصفة"مسلمين"فذاك من قبيل تميّز سواهم بصفة مسيحيين، أو عندما تتميّز على صعيدهم مصالح ذاتية تنبني عليها أهداف سياسية غرضها تحقيق تلك المصالح باعتبارهم مواطنين أوروبيين مسلمين، فلا ينبغي أن يكون هذا التميّز إلا مكافئا لتميز مصالح فئات أخرى صفتها الأساسية المواطنة، وهي صفة مشتركة بين جميع الفئات دون استثناء مع ما ينبني على ذلك من حقوق وحريات وواجبات وتشريعات، دون أن يتناقض ذلك مع حقيقة وجود صفات أخرى تبيح لكل فئة أن تعتبر نفسها فئة قائمة بذاتها من المجتمع المشترك، وتبيح تبعا لذلك أن تسري بصددها مصالح وحقوق وواجبات وتشريعات، لا تسري على الفئات الأخرى، ولا تنتقص من واقع الأرضية المشتركة الصادرة عن صفة المواطنة شيئا.
إنّ للعمال ما يسري على صعيد مصالحهم ويسري على صعيد واجباتهم، ما لا يسري مثله على صعيد الأطباء، أو المهندسين، أو أرباب العمل، من المنطلق الاقتصادي مثلا، وجميع هؤلاء مواطنون، وكذلك يسري على المسلمين من المصالح والواجبات ما لا يسري على صعيد المسيحيين، من المنطلق الديني، وهؤلاء وهؤلاء مواطنون.
وإن العمال يمكن أن تكون لهم روابطهم ونقاط التقائهم مع العمال خارج الحدود الأوروبية دون أن يكون ذلك على حساب انتمائهم الأوروبي أو خصوصية كونهم عمالا، وشبيه ذلك يسري على من يعملون في أنشطة المجتمع المدني أو الإغاثة الإنسانية، ويسري كذلك على الكاثوليك، والبروتستانت، ويسري على المسلمين أيضا، دون أن يكون شيء من ذلك على حساب انتمائهم الأوروبي، ولا على خصوصية كل فئة منهم على حدة.