إنّ تحديد فئة المواطنين الأوروبيين المسلمين في هذا الإطار هو ما يحدّد الأرضية التي تقوم عليها معالم المشاركة السياسية المطلوبة هدفا ووسيلة، أو المفروضة واجبا حيويا ومصيريا.
ماهية المشاركة السياسية؟
هي مشاركة سياسية وليست"نشاطا سياسيا قائما بذاته"، فكلمة مشاركة تحدد لغويا ومضمونا كون المواطن المسلم جزءا من مجتمع تتخذ كلمة العمل السياسي فيه مكانا معينا، ويمثل قسطا منه، ما يمارسه المواطن المسلم سياسيا، ولا يمكن أن يستورد المواطن الأوروبي المسلم صيغة من صيغ العمل السياسي، من خارج الحدود الأوروبية ليتعامل بها مع المجتمع حوله، ولا ينفي ذلك أن يحمل أي مواطن، وأيّ فئة سكانية، تصوّرات يدعون إليها في الإطار القانوني المشروع، وإن كانت مستمدّة من خارج الحدود، وهذا ما يسري على كافة السكان ومنهم المسلمون.
وكلمة سياسية تنبثق من مفهوم هذه الكلمة الاصطلاحي وميادينها والمنطلقات الأساسية لها نظريا وواقعا، والمعالم الأساسية لتطبيقاتها وممارساتها، وجميع ذلك شامل لمضمون مشاركة المواطن المسلم كسواه من المواطنين.
ولا يعني ذلك الوقوف عند حدود البلد الذي يقيم فيه المواطن فلا توجد تلك المعضلة التي تطرحها بعض الأقلام بصدد تناقض مزعوم بين انتماء المواطنة الأوروبية والانتماء إلى"الأمة الإسلامية".
إنّ الصحفي الأوروبي غير المسلم الذي يكتب عن قضايا الإنسان في أي بقعة من الأرض، يركّز بطبيعة مهنته الإعلامية على الميادين التي يرتبط بها، من خلال اهتماماته الخاصة، أو حتى انتماءاته التي تتجاوز الحدود الوطنية، فقد يكون من أنصار الوحدة الأوروبية فيكتب عن ذلك وعن الأوروبيين وهو من ألمانيا في الأصل، أو قد يكون من المتعاطفين مع ضحايا المجاعات الإفريقية، فيُعرف بكتاباته عنها، وقد يكون مسيحيا ملتزما بدينه، فيكتب عن أحوال المسيحيين في الهند والصين وغيرهما وربما تخصص أكثر من ذلك فكتب عن أنشطة التبشير وما تحقّقه من"نجاح"في تنصير غير المسيحيين، من مسلمين وغير مسلمين في أنحاء العالم.
والصحفي المواطن الأوروبي المسلم يمكن أن يصنع شبيه ذلك وفق ما يتوافر له مهنيا، من معارف أو اهتمامات أو اقتناعات.
وليس للأول ولا للثاني أن يكون في عطائه ما يتناقض مع انتمائه الأوروبي مواطنا، وليس لأحد أن يشكّك في انتماء الأول أو الثاني نتيجة اهتماماته خارج نطاق المجال الجغرافي والسياسي الذي ينتمي إليه.
وإن المواطن المسلم كالمواطن غير المسلم، له من الحقوق والحريات ما يبيح له أن يؤيّد أو يعارض، ما يراه ويأخذ به صاحب القرار الأوروبي، وكما أنّ الأول قادر مثلا على أن يعارض مشاركة جنود بلده في حرب تجري في أفغانستان، ولا يتعرّض لهذا السبب إلى التشكيك أو الحظر أو الاتهامات الباطلة، فشبيه ذلك يسري على المسلم، دون أن يفقد شيئا من حقوقه، والشرط في الحالتين هو الالتزام بما تقرّره الدساتير والتشريعات القانونية، بما في ذلك الحدود المقرّرة على الجميع من حيث"تقييد"الحريات والحقوق دستوريا وقانونيا.
معضلة الانتماء
نعلم ونحن ننطلق من واقع قائم أن جميع ما سبق موضع التباسات كبرى في الوقت الحاضر، بعضها ما نشأ لأسباب موضوعية تحتاج إلى علاج، وبعضها نشأ نتيجة افتراءات أو تعميم ما لا ينبغي تعميمه أو بقصد التخويف من المسلمين وإسلامهم، وهذا ما يحتاج إلى علاج أيضا، والمشاركة السياسية وسيلة من وسائل العلاج، إنّما تعطي مفعولها، عندما يظهر أنّها لا تقتصر على جانب الممارسة التي يمليها الانتماء إلى الإسلام فقط، بل تمتد لتشمل مختلف الميادين التي يمليها انتماء المواطنة الأوروبية أيضا.
المشاركة السياسية تجمع بين الانتمائين بصورة متوازنة، بل ينبغي أن تكون النتاج الطبيعي للانتمائين معا عند التعامل مع الوجود البشري الإسلامي في أوروبا تعاملا طبيعيا متوازنا وقويما، ليس فيه تشنّج يصنعه التعصّب والتعنّت وقصر النظر لدى فريق من المسلمين، ولا تشنّج يصنعه التعصب والتعنّت وقصر النظر عند فريق من غير المسلمين ضدّهم.
المشاركة السياسية على هذا النحو غير قائمة في الوقت الحاضر إلا في حالات فردية استثنائية لا تنفي القاعدة، فهي بذلك هدف، من شأنه إذا تحقق أن يصبح وسيلة لهدف أبعد، وهذا ما يفرض تحديد معالم الإطار العام للانتقال من واقع قائم إلى واقع مستقبلي مطلوب.
أمّا الهدف الأبعد هو أن تساهم فئة المواطنين الأوروبيين المسلمين بقسطها من المسؤولية والواجب في المجتمعات الأوروبية، بما يتفق مع اقتناعاتها الذاتية، ويحقق المصلحة العليا المشروعة التي تجمع هذه الفئة مع سواها من فئات المواطنين الأوروبيين على أرضية مشتركة، ويقابل أداء المسؤولية والواجب ضمان الحريات والحقوق.
تعدّد أشكال المشاركة السياسية
المشاركة السياسية عندما تكتمل معالمها المذكورة بدرجة كافية، تصبح وسيلة أساسية -وليست الوحيدة- لتحقيق الهدف الأبعد المذكور، وسيبقى من الضروري أن تتوافر إلى جانبها وسائل أخرى، بدءا بالعطاء الأدبي والفكري والفني، انتهاء بالدور المالي والاقتصادي.