إنّما كيف نصل إلى المشاركة السياسية القويمة؟.. عن طريق حزب سياسي خاص بالمسلمين؟.. عن طريق البدء بكتابات ومؤتمرات فكرية وإعلامية تنشر الاقتناع بهذه الوسيلة وتدفع المسلمين إلى المشاركة وسواهم إلى القبول بها؟.. عن طريق الاندماج في الوسائل العديدة المتوافرة في المجتمع الأوروبي، من أحزاب وسواها، من أجل مشاركة مختلف الفئات ومختلف الأفراد في مختلف الأنشطة السياسية؟..
قد يكون لكل صيغة من هذه الصيغ من يؤيّدها ومن يعارضها، ومن يميل إليها ومن ينفر منها، من داخل نطاق المواطنين الأوروبين المسلمين ومن خارج نطاقهم.
إنّما المهمّ هو أنّه لا يوجد بين هذه الصيغ ما هو محظور، إنّما المحظور من منطلق ما يفرضه الانتماء الإسلامي، ومن منطلق ما يفرضه انتماء المواطنة، أن يكون في الممارسة العملية لإحدى هذه الصيغ أو لها جميعا، ما يخرج على أحكام دستورية، أو يخالف تشريعات قانونية، أو ينتهك حقوق الآخرين وحرياتهم، فلا هذا ممّا يبيحه الإسلام، ولا هو ممّا يمكن أن يقبل به بلد لنفسه.
الجدير بالذكر في هذا الموضع، أنّ هذا الالتزام المفروض من منطلق الانتمائين معا، هو"التزام شمولي"إذا صحّ التعبير، فالالتزام بما ذُكر لا يعني إكراه المواطن -المسلم فيما يناقشه هذا الموضوع- على شيء يتناقض مع حقوقه وحرياته المكفولة دستوريا وقانونا. فالمجتمع من حوله، أي"المواطنون الآخرون"ملزمون مثله بعدم مخالفة الدستور والقانون وانتهاك الحريات والحقوق، وهو ما يشمل التعامل معه أيضا بطبيعة الحال.
المشاركة السياسية بمعناها الشامل المذكور تسمح بأكثر من صيغة لتحقيقها على الوجه الأمثل تدريجيا، فإن مال فريق من المسلمين إلى تشكيل حزب خاص بالمسلمين، فهذا ما يعبّر عن اقتناعاتهم هم، وقد يصلون في حدود الالتزام المشار إليه، إلى أهدافهم أو لا يصلون، ولا يمنع ذلك مواطنا مسلما، ككاتب هذه السطور، أو غير مسلم، أن يرى في مثل ذلك الحزب وسيلة غير مجدية، وقد تسبب من الأضرار أكثر ممّا تحقق من المنافع، فلا يشارك فيها ولا يؤيدها وقد ينتقدها، دون أن يتناقض ذلك مع الأرضية المشتركة التي تجمع ذلك الفريق من المواطنين"الحزبيين"المسلمين مع سواهم من المواطنين المسلمين وغير المسلمين.
الصيغة الأمثل للمشاركة السياسية
دون الاسترسال في أمثلة أخرى، يمكن الوقوف عند الرؤية التي يراها كاتب هذه السطور للصيغة الأفضل من أجل تحقيق مشاركة سياسية شمولية ناجحة.
إنّ المواطن المسلم الناخب يشارك في صياغة القرار السياسي، وعليه أن يصنع ذلك فيختار الأقرب إلى اقتناعاته، دون أن يلزمه ذلك بعدم انتقاد ما لا يتفق مع هذه الاقتناعات، عند المرشح أو عند الحزب الذي يعطيه صوته.
وإن المواطن المسلم الطبيب العضو في هيئة طبية، يشارك في صناعة القرار السياسي المتعلق بالأوضاع الصحية والتأمينات الصحية وغير ذلك من ميادين الممارسة السياسية لتلك الهيئة.
ويسري شبيه ذلك على ميادين لا تحصى من الميادين المعيشية التي تجمع بين المواطنين من مسلمين وغير مسلمين على أصعدة مختلفة، تخدم المجتمع المشترك من منطلق انتماء المواطنة ولا تتعارض -بل تتوافق إلى حد كبير- مع منطلق الانتماء الإسلامي.
وإن المواطن المسلم في هيئة أو رابطة أو مؤسسة تتخصّص في دعم بناء المساجد، أو الاهتمام بتدريس أطفال المسلمين، أو تدافع عن حقوق المرأة المسلمة، يؤدّي قسطا من واجبه مواطنا، ومن واجبه مسلما، دون أن يتعارض ذلك مع وجوده مع غيره من المواطنين غير المسلمين في الأطر السياسية الأخرى المشتركة التي سبق ذكر أمثلة عليها.
ليست المشاركة السياسية محصورة في ميدان واحد، ولا ينبغي حصرها، ولا هي مقيّدة بأن تكون الساحة المطروحة لها متطابقة كل التطابق مع الاقتناعات الفردية، فليس هذا من طبيعة عمل جماعي في أي ميدان ومن منطلق أي انتماء، بل تكون المشاركة آنذاك جامعة لعنصري تأييد ما يتفق مع ا لاقتناعات الذاتية، ومعارضة ما لا يتفق معها، والانطلاق من أنّ تحقيق القدر الأكبر من الاقتناعات الذاتية رهن بتنمية القدرات الذاتية، وليس بتخلي"الآخر"عن اقتناعاته.
والمشاركة السياسية ليست ساحة صراع، بل هي ساحة البحث عن نقاط الاتفاق أولا، والتعامل المتوازن مع نقاط الاختلاف وإن بلغ درجة"مواجهات سياسية"في إطار دستوري قانوني.
والمشاركة السياسية ليست"نزهة"ولا يمكن التخطيط لها مع توقع نجاح التخطيط دوما، أو نجاحه كاملا، إنّما لا بد لمن يمارسها من أن يضع في حسابه الكسب والخسارة، ما دامت الحصيلة الأخيرة المرجوّة، هي الاقتراب أكثر من الأهداف المرحلية والبعيدة.
جيل المستقبل السياسي
إن مشاركة المسلمين في أوروبا سياسيا في الساحة الأوروبية، قطريا وعلى مستوى الأنشطة الإقليمية والعالمية، لا تطرح نفسها من حيث جوازها أو عدم جوازها، وتوافقها أو عدم توافقها مع الاقتناعات الإسلامية الذاتية، بل هي في هذه الأثناء واجب إسلامي وواجب تفرضه المواطَنة القويمة في المجتمعات التي أصبح المسلمون جزءا منها.