وهذه السمات قد تكون لغوية مثل جماعات الوالون في بلجيكا , أو ثقافية مثل جماعات اللاب في اسكندنافيا وأبرز هذه السمات الملمح الديني وهو شأن الأقليات المسلمة في العالم وخاصة شرق آسيا , أذن فالأقليات المسلمة هي تلك الجماعات التي آمنت بالإسلام منهجًا لحياتها , ولما كان للإسلام منهجه الخاص لأنه ليس من صنع البشر فقد لاقى كثيرًا من المقاومة من أصحاب الهوى والشهوات , فهم لذلك لا يريدون أن تقوم له قائمة لذا تحاول الأغلبيات التي بينها أقليات مسلمة أن تقتل كل آمل يراود الأقليات المسلمة في أن تنهج السلوك الإسلامي . وهنا لابد من إجابة على هذا السؤال:
_ لماذا ندرس الأقليات المسلمة ؟
والإجابة على هذا السؤال لها شقان:
الأول / لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا نحن المسلمين بتبليغ دعوته لكل الناس , فقال تعالى: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر:94) . فالأقلية المسلمة بتطبيقها للإسلام في حياتها تساعد في نشر الإسلام .
الثاني / أمر يتعلق بحياتها هي: فالمسلمون هناك محجوبة عنا أخبارهم , غامض عنا أوضاعهم يلاقون أنواعًا من العذاب , ولأن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها نيام عن مآسي إخوانهم غافلون عنهم وليس ذلك لجهلهم وسوء وضعهم فقط بل لأن الذين يعرفون أحوالهم ويدركون مصاءبهم يمدون يد المساعدة لأعدائهم ولأنهم في مسيرتهم أي الأقليات المسلمة يلاقون كثيرًا من التحديات والصعاب .
الهجرة والاستيطان
يوم أن كانت الحضارة الإسلامية في أوج عطائها كان أبناؤها يمارسون دور الشهادة ( ليكونوا على الناس شهداء) فينطلقون إلى أرجاء المعمورة جيوشًا وتجارًا , بخلفية صاحب الحق الملتزم به الراغب بإظلال الناس فيه ( لنخرج الناس من ضيق الأرض إلى سعتها ومن ظلم الدنيا إلى عدل الإسلام ) ( ربعي بن عامر) .
وهكذا انتشر الإسلام في أقطاب الأرض بعد معارك الجهاد الضارية وبفعل أخلاق الجنود والتزامهم بالإسلام وممارسة التجار المسلمين لمجموعة الفضائل والأفكار الإسلامية ممارسة صحيحة . فإذا بالأقليات الإسلامية تتحول إلى أكثريات . وإذا بأبناء الأمصار يتحولون عن قناعة ورضى إلى الفكر الجديد وإذا بهم ينضمون إلى دار الإسلام فيعطيهم الإسلام أمجادًا ويعطون هم حضارة الإسلام مزيدًا من العطاء عبر العلماء والتحرك الجاد .
ولدينا في التاريخ أكثر من مثل ودليل:
وصلت جيوش المسلمين في عهد عمر بن الخطاب ( رضي الله عن) إلى بلاد القفقاس وبلاد الداغستان . وفي عهد عمر بن عبد العزيز اجتاحت جيوش المسلمين أراضي ما وراء النهر ( جيحون ) في بلاد أوزبكستان اليوم وأراضي التركستان .ز غير أن الإسلام لم يتأصل في تلك الأمصار النائية عن قلب العالم الإسلامي إلا بعد حادثة فريدة لم تكن لتقع لولا الحرية التي وفرها الإسلام للناس سواء مسلمين أم غير مسلمين ولولا عدل الإسلام الرائد.
فقد خرج أهل سمرقند من أراضي التركستان ووفدوا على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فرفعوا إليه مظلمتهم بأن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر . فكتب عمر إلى عامله أن ينصب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا فإن قضى بإخراج المسلمين أُخرجوا فنصب لهم جُميع بن عامر فحكم بإخراج المسلمين فهش أهل سمرقند للإسلام وبشوا ودخلوا في دين الله أفواجًا . وكتب عمر إلى سائر ملوك النهر يدعوهم إلى الإسلام , فأسلم بعضهم وانتشر الإسلام في هاتيك الأمصار وتأصلت جذوره وكان من أبنائهم دعاة ومجاهدون وعلماء ومحدثون أمثال الإمام البخاري صاحب أصح كتب الحديث النبوي الشريف .
وبفعل الهجرة القسرية التي فرضت على نفر من بني أمية ومنهم ( عبد الرحمن الداخل ) على أثر الانقلاب السياسي عل سلطة بني أمية وهروبهم إلى المغرب والأندلس قامت الإمارة الأموية الثانية ونتج عنها ما نتج من حضارة وفتوحات إسلامية خالدة . وبينما كانت بلاد الشام ومصر تتعرض للحملات الصليبية كان ركاب سفينة عربية قدمت من جدة ورست في ملقا عند البوابة الجنوبية لشبه جزيرة الملايو . يقومون بدعوة الملك إلى الإسلام فيكتب الله له ولشعبه الهداية , فكانت ملقا أول مملكة إسلامية في تلك البلاد ثم أخذت على عاتقها مع التجار المسلمين الوافدين نشر الإسلام في تلك الأمصار والأصقاع في الملايو وسومطرة فسائر جزر إندونيسيا . وهكذا انتشر الإسلام بالموعظة الحسنة والسلوك الملتزم بالأخلاق الرفيعة والعلاقات الطيبة بالآخرين .
المسلمون والهجرة في القرن العشرين