لا ريب أن الإسلام قد حض على اتصال الشعوب بعضها ببعض رافضًا نظرية الانعزال مرغبًا بالسياحة في الأرض , وجاءت آيات القرآن تعالج هذا الأمر بكثير من الوضوح والجدية فقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) . قاعدة ثابتة في علاقات الأمم والأفراد كما أن قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا ً) (النساء:97) . إذن واضح في الهجرة واستيطان أماكن أخرى نتيجة السياحة والاتصال والوقوف على تواريخ الأمم والشعوب وحضارتهم ونتيجة الاعتبار والاتعاظ والإفادة مما هو أحسن ( فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ) .
ونظرية الهجرة أو السياحة في الأرض أو التعارف بين الشعوب , فضلًا عن كونها جزءًا من القواعد الكونية المتفقة مع طبيعة الإنسان وفطرته كما خلقها الله وكما أرادها لعباده , فهي أيضًا تخدم استراتيجية إسلامية في نشر الفكر الإسلامي والدعوة إلى الله وتعريف الناس بالإسلام وتشجيعهم على الدخول في دين الله أفواجًا وأفرادًا , كما تخدم استراتيجية إسلامية أخرى هي التفاعل مع معارف البشرية ونقل أفضلها إلى العالم الإسلامي وإغناء حضارته بها وإسعاد الناس الآخرين بما عند المسلمين . وبذلك تكون الأمة الإسلامية وسطًا بين الأمم شاهدة على العالم , وأبناؤها شهود على الناس , بيدها الريادة ومنها تشع حضارة على العالمين في عطاء لا ينقطع وبركات من الله سبحانه وتعالى.
ونظرية الهجرة هذه تعدل نظرية القتال وتحرير الناس بقوة السلاح من العبودية لغير الله ومن ظلم بعض الناس لبعضهم ومن تحريف الأديان والأفكار والمبادئ , بل أن تلك النظرية مقدمة على أسلوب الجهاد , فتسبقه الكلمة المخاطبة والمراسلة وابتعاث الوفود. وقد رأينا كيف أن عمر بن عبد العزيز قد حكم على جيشه أن يخرج من سمرقند لدخوله إليها دون مقدمات فليسس غاية الجهاد إخضاع الناس والأوطان إلى سيادة الجيش الإسلامي بل إدخال العباد والبلاد في حكم الإسلام ومبادئه وإقناعهم بأفضليته . غير أن فقهاء المسلمين بعد أن استقرت الدولة الإسلامية وأخذت أبعادها وامتدادها في العالم , راحوا يضعون القواعد التي تحكم علاقات الدولة بالآخرين وعلاقات أبنائها بهم والتجاوزات والأخطاء التي يمكن أن تصدر عنهم فوضعوا بذلك الأساس الأول في القانون الدولي وقسموا العالم إلى قسمين أو دارين أو حضارتين أو معسكرين: دار الإسلام ودار الحرب وأعطوا لكل منها أحكامًا .
أن عوامل داخلية مختلفة أدت إلى ضرورة الدعوة إلى الله باتجاه العالم غير الإسلامي . فقد تخلت الدولة أو الدول الإسلامية عن الاضطلاع المباشر بهذه المهمة الخطيرة الأساسية فيما استمرت المهمة بجهود فردية من تجار أو مهاجرين أو علماء ومع أن هذه الجهود فردية فقد أثرت ودخل ملايين الناس في دين الله أفواجًا كما خضعت بلدان كثيرة إلى منطوق دار الإسلام , وإن بقيت خارجه أو بعيدة عن حكم الخليفة أو السلطان لأسباب عديدة ومختلفة , يواجه كل منها مصيره بمفرده ولا يتمكن أي منها من دعم الآخر أو التعاون معه أو الدفاع عنه , مما أدى في بعض المناطق إلى انقلاب الأمر وتحول أكثريات مسلمة إلى أقليات أو جاليات .
أسباب الهجرة في القرن العشرين
ومع رسوخ النظرية الإسلامية في الهجرة , في خلفيات المسلمين فإن أسبابًا عديدة أخرى أدت وتؤدي إلى استمرار الهجرة وتشكل جاليات إسلامية في بلدان غير إسلامية , مما يؤدي عبر الزمن إلى نشوء وجود إسلامي تحكمه اعتبارات الأقلية وتكتنفه تناقضات عديدة ويعاني في بعض البلدان من صراع البقاء وخاطر التفكك والانهيار .
ومن هذه الأسباب:
1-…ضعف السلطنة العثمانية والدول الإسلامية الأخرى وضمور الدور الحضاري الرائد للمسلمين مما أدى إلى تفشي الجهل والضعف العام في الإنتاج القومي الزراعي والصناعي والتجاري وأظهر هذا التخلف عجزًا فاضحًا في الموازين التجارية فارتبكت الحياة العامة واندفع عدد من الناس إلى الهجرة إلى بعض الدول الأوربية أو الأمريكية أو الإفريقية أو إلى نزوح متبادل ضمن الدول الإسلامية الأخرى
2-…انهيار السلطنة العثمانية وتمزق العالم الإسلامي خاصة بعد الحرب العالمية الأولى حيث زادت فرص الهجرة وبالتالي الاستيطان ونشوء الجاليات .
3-…اشتداد الهجوم على الشرق المسلم عبر محاور فكرية وخدمات وتبشير وتشكيك . غير إن وجود إرساليات وجامعات أجنبية أدى إلى استنهاض الهمم والرغبة في المقاومة والمجابهة وإبراز نهضة إسلامية ويقظة شاملة مما دفع عددًا من أبناء المسلمين إلى طلب العلم والمعرفة من بلدان العالم الأكثر تفوقًا .