وأضاف قائلا:"فلفرنسا فضل من هذه الناحية، كما أنّ لها فضل أشار إليه أخي الدكتور طه (جابر العلواني) , فهي تحاول الآن أن تقف وقفة مستقلة غير تابعة للسياسة الأمريكية, التي سار في ركابها الكثيرون، بالحق وبالباطل، ونحن لأجل هذا نحيِّي فرنسا, ونعقد هذا اللقاء في فرنسا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا اليوم يوم خير وبركة على المجموعة الإسلامية في هذه البلاد، ولا أقول الجالية الإسلامية، لأنني لا أفضل أن نستخدم كلمة الجالية، وهي التي تعني أنها ستجلو، لكنها أصبحت مستقرة, وجزءًا من كيان هذه البلاد، فكيف تكون جالية؟!. نقول المجموعة الإسلامية, أو الأقلية الإسلامية، ونسأل الله أن يكون هذا اللقاء خيرًا وبركة على إخواننا هنا في فرنسا، وعلى إخواننا في أوروبا، وفي الغرب بصفة عامة".
وأثنى الدكتور القرضاوي على الصحوة الإسلامية المعاصرة التي كان لها بعد الله الفضل في إنشاء المؤسسات لحضانة المسلمين في بلاد الاغتراب فقال:"كان من بركات الصحوة الإسلامية أن تقوم مؤسسات إسلامية شتى. وفي فترة من الفترات، الذين هاجروا من المسلمين ضاعوا. هاجر كثير من المسلمين إلى استراليا وضاعوا تمامًا، وتجد لهم مساجد هناك بلا مصلين، وهناك مسلمون ذهبوا إلى الأرجنتين وأمريكا الشمالية، والجيل الأول ذهب تمامًا وتلاشى، ولكن في عصر الصحوة الإسلامية، حينما بدأ المسلمون يدركون أنهم مسلمون، وأنهم يتميزون بإسلامهم، وأنّ هذا الدين يفرض عليهم واجبات, ويلزمهم بأوامر ونواه؛ بدأ المسلمون يشعرون بهويتهم، ويحسون بماهيتهم، فبدؤوا ينشؤون المؤسسات, التي تحفظ لهم كيانهم ووجودهم الإسلامي المتميز."
كانت هناك مؤسسات عدة؛ أنشؤوا المساجد ليقيموا فيها الصلاة، وأنشؤوا المدارس ليعلِّموا فيها الأبناء، وأنشؤوا الأندية ليرفِّهوا فيها عن أنفسهم، وأنشؤوا الجامعات لتتلقف أبناءهم من المدارس، أنشؤوا روابط علمية للأطباء والمهندسين والعلماء والاجتماعيين وغير ذلك في بلاد شتى. أنشؤوا الأوقاف الإسلامية المختلفة، وأنشؤوا الكليات، كالمعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية في فرنسا. أنشؤوا هذه المؤسسات حتى يحافظوا على وجودهم، وليس معنى ذلك أن ينعزلوا عن المجتمع، فالعزلة هي الموت، وإنما أن يندمجوا في المجتمع دون أن يذوبوا فيه: هذه هي المعادلة الصعبة.
فالمعادلة الصعبة؛ كيف أن تندمج في المجتمع، وتعيش فيه، وتختلط بأهله، وتؤثر فيه، دون أن تفقد إسلامك؟. كانت هذه المؤسسات كلها تعمل على تحقيق هذه المعادلة: محافظة بلا انغلاق، وانفتاح بلا ذوبان.
ورفع الأستاذ الشيخ شعار"الاندماج دون ذوبان"، فقال:"المسلم يحافظ على عقيدته, وشعائر دينه, وحسن سلوكه، دون أن يتأثر بالموجة التي حوله، وهي من آثار فلسفة الحضارة الغربية، وهي التي يقول بعضهم إنها حضارة مسيحية، وهذا ليس صحيحًا. بعضهم يقول: إنها ليست حضارة المسيح ابن مريم، وإنما هي حضارة المسيح الدجال. لأنّ المسيح ابن مريم قامت رسالته على الزهد في الدنيا, وعلى المحبة, وعلى السلام، والحضارة الغربية لم تقم على الزهد في الدنيا، وتقوم على الإباحية للأسف، وتقوم على التبذير والإسراف المادي. فأي متديِّن، ولا أقول المسلم وحسب، إذا انساق وراء هذه الموجة ضاع دينه, وضاع إيمانه, وضاعت أخلاقه، ومن هنا كان هم هذه المؤسسات في عصر الصحوة الإسلامية المعاصرة أن تحافظ على هوية المسلم, وعلى شخصيته المتميزة، ولكن بشرط ألاّ ينعزل عمن حوله".
وأشار الى أن الإسلام دين انتشاري بطبيعته لا يمكن أن يكون انعزاليا أو يدعو أتباعه للانعزال فقال فضيلته:"الإسلام ليس دينًا انعزاليًا أو انغلاقيًا، فهو انتشاري بطبيعته، شأن المسلم: أصلح نفسك وادعُ غيرك،"، ومن أحسنُ قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين". كل مسلم داعية، وبعض الناس يتصوّرون أنّ الدعاة هم المشايخ وحدهم، كلاّ؛ كل مسلم داعية، فالمسلم مخاطبٌ بقوله تعالى:"ادعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة". هذا خطاب لكل مسلم. والله تعالى يقول للرسول صلى الله عليه وسلم:"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن". فلا يجوز للمسلم أن يعيش لنفسه؛ لا يفكر فيمن حوله ولا يفكر بدعوة الناس، ولذلك كانت مهمة المؤسسات الإسلامية أن تعمل على أن يندمج المسلم في المجتمع, وألا يفقد هويته وشخصيته، وأن يظلّ مستمسكًا بالعروة الوثقى، وأن يظلّ داعية إلى الله".
وعن المؤسسات التي أنشئت لخدمة الأقليات المسلمة في بلاد الغرب قال الشيخ:"وكان من المؤسسات المهمة, التي فكّر فيها الأخوة تأسيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، استكمالًا لما ينشدونه من تكامل؛ بين المؤسسات الفكرية والعلمية والثقافية والدعوية والدينية والاجتماعية، فكان لا بدّ من هذا المجلس ليقوم على فقه جماعي، واجتهاد جماعي، بالنوازل, التي تنزل بالمسلمين في هذه البلاد، والمشاكل التي تعترض حياتهم".