وأضاف فضيلة الشيخ القرضاوي:"لا شك أنّ هناك قضايا مشتركة بين المسلمين جميعًا، ولكن هناك قضايا في مثل هذه المجتمعات تكون أشد, وأكثر أهمية, عما في البلاد المسلمة والمجتمع الإسلامي. فتحتاج إلى فقه خاص، يقدِّر الظروف المحلية، وعندنا من القواعد الإسلامية ما يبرِّر هذا وما يسوِّغه، أنّ الفتوى تتغيّر بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، كلنا يحفظ هذه القواعد، لكن المشكلة أننا عند التطبيق قد لا نتفق، والمجلس (الأوروبي للإفتاء والبحوث) يحاول أن يطبِّق هذه القاعدة، وهو يتبنى التيسير ما أمكنه التيسير، وتبنِّي التيسير ليس بهوىً، فنحن مأمورون بهذا، فالمنهج النبوي نفسه يأمرنا أن نتبنّى التيسير، كما في الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم:"يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا". وحينما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري أوصاهما الوصية الجامعة المركّزة،"يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا"."
ولذا فإنّ هذا المجلس يحاول أن ييسِّر على الناس، لأنّ هذا الدين لم يأت لإحراج الناس، والله تعالى يقول:"وما جعل عليكم في الدين من حرج"،"ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج"، وهذا نفي قاطع،"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إنما جعلتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين".
وحول حاجة المسلمين إلى المؤسسات التي تقوم بخدمة المسلمين في العالم الغربي قال الشيخ:"نحن بحاجة أيها الإخوة إلى المؤسسات، ونريد أن نجمع المسلمين, وأن نوحِّد الرؤى الشرعية ما أمكننا، أو نقرِّبها. لا يمكن أن يجتمع الناس، ولا حرج أن يختلف الناس، والله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين، المهم أن نبحث (في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) بروح التجرّد والإخلاص لله، ونسعى إلى السداد والصواب."
من يجتهد ويخطئ ليس معذورًا وحسب، بل مأجور أيضًا، أي تحريضٍ على إعمال الفكر أكثر من هذا؟!.إننا نحب الخير للمسلمين، وخصوصًا في هذه الديار، في أوروبا، ونحن أحوج ما نكون إلى هذا، وبخاصة في هذه الفترة العصيبة.
وحول أثار أحداث الحادي عشر من سبتمبر على المسلمين عامة وعلى المسلمين في الغرب خاصة وضح الشيخ القرضاوي ذلك بقوله:"لقد حدثت خلال السنة المنصرمة أشياء لم نكن نحلم بها، أو تخطر على بال، فما حدث في 11 أيلول (سبتمبر) كان فاجعة، وقدّر الله وما شاء فعل. حادث واحد غيّر العالم. والمشكلة أنّ الضحية في كل ذلك هم المسلمون والعالم الإسلامي، وتم تحميل العالم الإسلامي المسؤولية."
طبعًا من قبل كان هناك إرهاصات، مثل الحديث عن صراع الحضارات، أو ترشيح الإسلام ليكون العدوّ الجديد بعد الاتحاد السوفياتي. الإسلام يُحمّل مسؤولية الأحداث, التي لا نعرف حتى الآن من فعلها. هم يقولون إنّ أسامة بن لادن وراء ذلك؛ هل وكّلت الأمة أسامة بن لادن ليفعل هذا الأمر؟!
رغم ذلك يصبح الإسلام هو المتهم، ويُطلب من المسلمين أن يُغيِّروا مناهجهم وتعليمهم ومدارسهم الدينية؛ هذا تجبّر في الأرض، استكبار في الأرض بغير الحق"فأما عادٌ فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشدّ منا قوة، أو لم يروا أنّ الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة"،"كلاّ إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى".
كان من فضل الله على الناس أن يوجد قطبان يتنازعان، فتنازع الأقطاب الكبيرة رحمة للضعفاء، وكان من دعاء السلف الصالح"اللهم اشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين".
وعندما يحدث التجبّر في الأرض؛ تصبح الأمة الإسلامية كلها موضع اتهام، فيُتّهَم المسلمون بالإرهاب، ويُتّهم الفلسطينيون بالإرهاب، وتُتّهم حماس وحزب الله والجهاد وكتائب الأقصى وفصائل المقاومة بالإرهاب، ويُوصَف شارون وحده بأنه"رجل السلام"، أليس هذا هو العجب العجاب؟! إنه منطق القوي والضعيف، الذئب والحَمَل.
نحن مؤمنون بأننا على الحق. نؤمن بأننا أصحاب حق، ولكنّ هذا الإيمان لا يجعلنا نتعالى على غيرنا، بل نؤمن بالحوار، ونعتقد أنّ اختلاف البشر في أديانهم واقعٌ بمشيئة الله تعالى"أفأنتم تُكرِه الناسَ حتى يكونوا مؤمنين"،"ولو شاءَ اللهُ لجعلَ الناسَ أمةً واحِدَةً ولا يزالونَ مُختلِفينَ ولذلك خلقَهم". ثم إنّ الذي يحكم بين الناس هو الله تعالى، وليس البشر.
والإسلام ينظر إلى الإنسان من حيث هو إنسان، كونه مخلوقًا مُكرّمًا مستخلفًا في الأرض،"ولقد كرّمنا بني آدم .."،"وإذ قالَ ربّكَ للملائكة إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً ..".
روى البخاري عن جابر أنه مرّت برسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة، فوقف لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له جابر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها جنازة يهودي، فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال:"أليست نفسًا؟!". فلكل نفسٍ حرمة ومكانة.
ونحن علينا أن نعدل حتى مع أعداء المسلمين"ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".