-إن ملامح الإسلام الأوروبي تبدو من خلال أنماط الثقافة المركبة بين المفاهيم الدينية وبين المفاهيم الغربية. وتتجسد في كثير من صور السلوك اليومي والملابس والعادات، إلى المواقف الفكرية والثقافية والسياسية، إلى الانفتاح على الثقافة الغربية والمجتمع الأوروبي وكل ما يزخر به من مفاهيم وسلوكيات وأساليب في التفكير وتحليل الأمور، ومن قيم وأعراف أوروبية. فهناك اتصال يومي مستمر بين الإسلام الذي يحمله هؤلاء المسلمون وبين مفردات الثقافة الغربية في المدرسة والجامعة والنادي والعمل والحي والشارع. وقد نتفق أو نختلف مع هذا التفاعل أو التطور، وقد نقبله أو نرفضه أو نتحفظ عليه، ولكنه يحدث ويترسخ يومًا بعد آخر. فربما يذوب الإسلام في الثقافة الغربية كما ذابت المسيحية، ويتحول إلى مجرد اعتقاد شخصي لا شأن له بالمجتمع أو السياسة. وربما يتطور لينتج لنا إسلامًا ذا ملامح أوروبية في التأكيد على الحريات الشخصية والأنظمة السياسية الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة و حقوق الأقليات وغيرها من معالم الأنظمة السياسية الأوروبية المعاصرة. الإسلام كبقية الديانات، يمكن أن يُنظر إليه من منظورين أو مستويين، الأول: كديانة عالمية World Religion الآخر كديانة محلية Local Religion. إن القواسم المشتركة بين هذين المستويين من الإسلام هي: الإيمان بالله الواحد الأحد، وبرسالة النبي محمد (ص) وبالقرآن الكريم كوحي إلهي. ولكن توجد هناك اختلافات ثقافية كثيرة تتفاوت من أمة مسلمة إلى أخرى. هذه الاختلافات نشأت بسبب عوامل ثقافية واقتصادية واجتماعية عديدة. إن التراث التاريخي و الثقافي، وبضمنه الأعراف والتقاليد، يلعب دورًا مهمًا في صياغة طبيعة العقائد الإسلامية في علاقتها بالأحكام لمجتمع معين. وهذا ما يشرح الاختلافات الاجتماعية والثقافية الواضحة بين البلدان المسلمة وأيضًا بين الشعوب المسلمة. من الصحيح أن المسلمين يؤمنون بالعقيدة نفسها والأحكام لكن فهم هذه الأحكام وتعاليم الإسلام ، وكذلك تفسير النصوص الإسلامية، قد تطور في بيئات مختلفة، وضمن خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة. إن الإسلام بحد ذاته لا يعارض الأعراف والتقاليد التي لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية. إذ تقبل الإسلام الكثير من العادات العربية التي عدها المسلمون فيما بعد أنها تقاليد إسلامية. وأكثر من ذلك، اعترف الإسلام بالأعراف العربية وأسبغ الشرعية عليها، كتعدد الزوجات والرق. وهذا يعني أن الإسلام نفسه يسمح ويحمي العناصر الثقافية الشعبية للشعوب التي تعتنقه. خلال العقدين الماضيين انتشر استخدام مصطلح (الإسلام الأوروبي) و (الإسلام الغربي) بين الباحثين والسياسيين الغربيين الذين يتناولون قضايا الإسلام والمسلمين في الغرب. ويستخدمون مختلف التعبيرات مثل (الإسلام الأوروبي الغربيWestern European Islam ) ) إسلام أوروبا Europe's Islam، الإسلام الأوروبي European Islam) و (يورو إسلام Euro Islam) و (الإسلام الأميريكي American Islam) . كما قد تجري تسمية الإسلام نسبة إلى بلد أوروبي مثلًا (الإسلام الهولندي Dutch Islam) و (الإسلام الفرنسي 7French Islam) و (الإسلام البريطاني British Islam) و (الإسلام الإيطالي Italian Islam) . يَعتبر المفكر الهولندي المسلم فان بومل الإسلام الأوروبي نتاجًا لتطور الإسلام ضمن البيئة الأوروبية. ويرى أن"الإسلام الهولندي (أو الأوروبي) يمكن أن يصبح أصيلًا وعالميًا، إذ لا يمكن تقييده من خلال التقاليد المحلية أو الجالية المسلمة القادمة من المناطق الزراعية في البلدان الإسلامية."
ويعرّف الباحثان البروفسور واصف شديد والمستشرق فان كوننكزفيلد Van Koningsveld (الإسلام الهولندي) من أرضية مؤسساتية، لافتين الانتباه إلى تأثير القوانين والأعراف الاجتماعية الهولندية في تحديد وظيفة الدين، ومن ضمنها الإسلام، في المجتمع، ويعتبران وجود الإسلام الهولندي أو الإسلام الأوروبي في كل بلد أوروبي، مرتبط بالتعاون الوثيق بين مختلف التيارات الإسلامية، بحيث يؤدي إلى تأسيس مجالس إسلامية وطنية في البلدان الأوروبية ، أي أن وجود مؤسسات إسلامية رسمية في البلدان الأوروبية هي الأساس في تكوين الإسلام الأوروبي، والجدير بالذكر أن المسلمين في بلجيكا وفرنسا لديهم مجالس إسلامية معترف بها رسميًا.
ويرى الباحث بسام طيبي (سوري مقيم في ألمانيا) ، أن"الإسلام الأوروبي هو تفسير مفاهيمي مرتبط بحدود الدستور العلماني، إذن، المشكلة هي كيف يتكيف الفكر الإسلامي والأحكام الإسلامية مع النظام القانوني-السياسي الغربي الموجود في الدستور العلماني للدولة الأوروبية، أعتقد أن هذا التعريف يبدو مقبولًا، ولكنه يهمل بعض العناصر المهمة مثل مسألة الهوية الدينية ودور العوامل الاجتماعية-الثقافية في تشكيل الإسلام الأوربي."