لقد تطور الإسلام في كل بلد بشكل مختلف، إلى حد ما، بسبب التباين في التراث الشعبي والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية. لذلك صار بعض الباحثين يميّز بين فهم معين للإسلام في بلد وفهم آخر له في بلد ثانٍ. هذا الفهم يختلف حسب البيئة الثقافية والاجتماعية التي يتطور فيها، وحسب النضج الفكري والتطور الحضاري وطبيعة النظام الاجتماعي في كل بلد مسلم . وبكلمة أخرى بقي الإسلام نفسه لكن فهم الإسلام يختلف من بيئة إلى أخرى،ومن زمن إلى آخر. إن العامل الرئيسي المؤثر في اختلاف فهم الإسلام يعود إلى ثقافة كل بلد والتي تفاعلت مع الإسلام وصبغته بصبغتها المحلية. لذلك يجد الباحث أن الفهم الإيراني للإسلام يختلف عن الفهم المغربي له، أو ما يمكن التعبير عنه بالإسلام الإيراني والإسلام المغربي ، والإسلام السعودي والإسلام الأندونيسي والإسلام التركي. وكلما كان التفاوت الثقافي كبيرًا صار من السهل تمييز نمط إسلامي أو فهم إسلامي معين. وأما الانتماء الجغرافي فيختزن مضمونًا توصيفيًا للبيئة الثقافية التي نما وتطور فيها الإسلام، وليس تقسيمًا سياسيًا أو جغرافيًا على أساس الحدود السياسية لكل بلد من هذه البلدان.
وكما تفاعل الإسلام مع ثقافات وحضارات الشعوب الأخرى وأنتج لنا حضارات إسلامية متنوعة ومزدهرة، وفي الوقت نفسه متباينة. فالحضارة المغولية الإسلامية في الهند تختلف سماتها عن الحضارة الإسلامية في تركيا العثمانية، والحضارة الإسلامية العربية في الأندلس تختلف عن الحضارة الإسلامية الأفريقية في تمبكتو وزنجبار ونيجيريا. وكذلك يتوقع أن يتفاعل الإسلام مع الحضارة الأوروبية لينتج لنا إسلامًا أوروبيًا، أي ينتج إسلامًا مصطبغًا بصبغة أوربية بسبب تأثر المسلمين هناك بالثقافة والمجتمعات الأوروبية التي يعيشون فيها ويكتسبون مفاهيمها. وقد يبدو هذا الكلام غريبًا في الوقت الحالي، لكننا بدأنا نلاحظ تطور الإسلام في البيئة الأوروبية ، سواء بين المهاجرين المقيمين في أوروبا، أو بين الأوروبيين الذين يعتنقون الإسلام.
إن ملامح الإسلام الأوروبي تبدو من خلال أنماط الثقافة المركبة بين المفاهيم الدينية المفاهيم الغربية. وتتجسد في كثير من صور السلوك اليومي والملابس والعادات، إلى المواقف الفكرية والثقافية والسياسية، إلى الانفتاح على الثقافة الغربية والمجتمع الأوروبي وكل ما يزخر به من مفاهيم وسلوكيات وأساليب في التفكير وتحليل الأمور، ومن قيم وأعراف أوروبية. فهناك اتصال يومي مستمر بين الإسلام الذي يحمله هؤلاء المسلمين وبين مفردات الثقافة الغربية في المدرسة والجامعة والنادي والعمل والحي والشارع. وقد نتفق أو نختلف مع هذا التفاعل أو التطور، وقد نقبله أو نرفضه أو نتحفظ عليه، ولكنه يحدث ويترسخ يومًا بعد آخر. فربما يذوب الإسلام في الثقافة الغربية كما ذابت المسيحية، ويتحول إلى مجرد اعتقاد شخصي لا شأن له بالمجتمع أو السياسية. وربما يتطور لينتج لنا إسلامًا ذا ملامح أوروبية في التأكيد على الحريات الشخصية والأنظمة السياسية الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الأقليات وغيرها من معالم الأنظمة السياسية الأوروبية المعاصرة.
الإسلام كبقية الديانات، يمكن أن يُنظر إليه من منظورين أو مستويين، الأول: كديانة عالمية World Religion ، الآخر كديانة محلية Local Religion. إن القواسم المشتركة بين هذين المستويين من الإسلام هي: الإيمان بالله الواحد الأحد، وبرسالة النبي محمد (ص) وبالقرآن الكريم كوحي إلهي. ولكن توجد هناك اختلافات ثقافية كثيرة تتفاوت من أمة مسلمة إلى أخرى. هذه الاختلافات نشأت بسبب عوامل ثقافية واقتصادية واجتماعية عديدة. إن التراث التاريخي و الثقافي، وبضمنه الأعراف والتقاليد، يلعب دورًا مهمًا في صياغة طبيعة العقائد الإسلامية في علاقتها بالأحكام لمجتمع معين. وهذا ما يشرح الاختلافات الاجتماعية والثقافية الواضحة بين البلدان المسلمة وأيضًا بين الشعوب المسلمة. من الصحيح أن المسلمين يؤمنون بنفس العقيدة والأحكام، لكن فهم هذه الأحكام وتعاليم الإسلام ، وكذلك تفسير النصوص الإسلامية، قد تطور في بيئات مختلفة، وضمن خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة. إن الإسلام بحد ذاته لا يعارض الأعراف والتقاليد التي لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية. إذ تقبل الإسلام الكثير من العادات العربية التي اعتبرها المسلمون فيما بعد أنها تقاليد إسلامية. وأكثر من ذلك، اعترف الإسلام بالأعراف العربية وأسبغ الشرعية عليها، كتعدد الزوجات والرق. وهذا يعني أن الإسلام نفسه يسمح ويحمي العناصر الثقافية الشعبية للشعوب التي تعتنقه. لقد لاحظ المستشرق الألماني كارل بروكلمان Karl Brockelmann"أن جميع الديانات العالمية قد اضطرت إلى أن تتساهل مع معتقدات معتنقيها الجدد السابقة".