فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 830

ويقولون أيضا: بأنه لم يثبت نسخ الآية، ولا توجد أحاديث متواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله) بنسخها، حيث أن الروايات في هذا الباب لا تعدو أن تكون أخبار آحاد، وأخبارًا ضعيفة السند متناقضة المتن، حيث تذهب إلى إباحتها وتحريمها عدة مرات، وفي مواطن متعددة، منها يوم خيبر، ومنها يوم الفتح، ومنها في غزوة تبوك، ومنها في حجة الوداع، أي أن حكم إباحة المتعة قد نسخ مرتين أو ثلاثة مراتٍ أو أكثر، وفوق ذلك فهي معارضة بالأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) ، ولو كان هناك فعلًا ناسخ لمشروعية المتعة، لاحتجّ به عمر، ولم يلجأ إلى الاجتهاد في مورد النص.

أدلة رأي السنة

يعترف المسلمون (السنة) بتحليل النبي الأكرم لزواج المتعة، ولكنهم يقولون انه كان لفترات قصيرة، وان النبي حرّمه عدة مرات في عدة مواطن ، وانه (ص) حرمه في أواخر أيام حياته تحريما مؤبدا، ونسخ حكم اباحته الأول .

قال الإمام النوويّ: الصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين: فكانت حلالًا قبل خيبر، ثم حرمت يوم خيبر. ثم أبيحت يوم فتح مكّة، وهو يوم أوطاس، لاتصالهما. ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة. واستمر التحريم. وقال القاضي: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل. لا ميراث فيها. وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق. ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض.

ومن العلماء المعاصرين يقول الاستاذ الدكتور وهبة الزحيلي:"اتفقت المذاهب الأربعة وجماهير الصحابة على أن زواج المتعة ونحوه حرام باطل"و"إن المراد بالاستمتاع في آية (فما استمتعتم) [النساء: 4/24] : النكاح؛ لأنه هو المذكور في أول الآية وآخرها، حيث بُدِئت بقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم) [النساء: 4/22] وختمت بقوله سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات) [النساء 4/25] ، فدل على أن المراد بالاستمتاع هنا ما كان عن طريق النكاح، وليس المراد به المتعة المحرمة شرعًا. أما التعبير بالأجر: فإن المهر في النكاح يُسمَّى في اللغة أجرًا، لقوله تعالى:"

(فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوف) [النساء: 4/25] أي مهورهن، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) [الأحزاب: 33/50] أي مهورهن.

وأما الأمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع، والمهر يؤخذ قبل الاستمتاع، فهذا على طريقة في اللغة من تقديم وتأخير، والتقدير: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن، أي إذا أردتم الاستمتاع بهن، مثل قوله تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ) [الطلاق 65/1] أي إذا أردتم الطلاق، ومثل: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة) [المائدة: 5/6] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة.

وأما الإذن بالمتعة في السنة النبوية في بعض الغزوات، فكان للضرورة القاهرة في الحرب، وبسبب العُزْبة في حال السفر، ثم حرّمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحريمًا أبديًّا إلى يوم القيامة، بدليل الأحاديث الكثيرة، منها:

1-"يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرّم ذلك يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا".

2-قال سلمة بن الأكوع:"رخّص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها".

3-قال سبرة بن معبد:"إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة".

4-عن علي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر .

وأما ابن عباس: فكان يجيز المتعة للمضطر فقط، روى عنه سعيد بن جبير أنه قال: سبحان الله، ما بهذا أفتيت، وإنما هي كالميتة لا تحل إلا للمضطر...

ومع ذلك فقد أنكر عليه الصحابة، مما يجعل رأيه شاذًّا تفرد به، فقد أنكر عليه علي رضي الله عنه قائلًا له: إنك امرؤ تائه ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية، وأنكر عليه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، روى مسلم عنه أنه قام بمكة فقال:"إن أناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة - يعرِّض برجل هو عبد الله بن عباس - فناداه ابن عباس، فقال له: إنك لجلف جاف، فلعمري، لقد كانت المتعة تفعل في عهد أمير المتقين - أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك، فوالله لو فعلتها لأرجمنك بأحجارك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت