فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 830

وكان السر في إباحته أولا أن القوم كانوا في مرحلة يصح أن نسميها (فترة انتقال) من الجاهلية إلى الإسلام؛ وكان الزنى في الجاهلية ميسرا منتشرا. فلما كان الإسلام، واقتضاهم أن يسافروا للغزو والجهاد شق عليهم البعد عن نسائهم مشقة شديدة، وكانوا بين أقوياء الإيمان وضعفاء؛ فأما الضعفاء، فخيف عليهم أن يتورطوا في الزنى، أقبح به فاحشة وساء سبيلا. وأما الأقوياء فعزموا على أن يخصوا أنفسهم أو يجبوا مذاكيرهم كما قال ابن مسعود ...وبهذا كانت إباحة المتعة رخصة لحل مشكلة الفريقين من الضعفاء والأقوياء، وخطوة في سير التشريع إلى الحياة الزوجية الكاملة، التي تتحقق فيها كل أغراض الزواج من إحصان واستقرار وتناسل، ومودة ورحمة، واتساع دائرة العشيرة بالمصاهرة.

وكما تدرج القرآن بهم في تحريم الخمر وتحريم الربا -وقد كان لهما انتشار وسلطان في الجاهلية- تدرج النبي صلى الله عليه وسلم بهم كذلك في تحريم الفروج. فأجاز عند الضرورة المتعة ثم حرم النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الزواج. كما روى ذلك عنه علي، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. ومن ذلك ما أخرجه مسلم في (صحيحه) عن سبرة الجهني"أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، فأذن لهم في متعة النساء. قال: فلم يخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي لفظ من حديثه:"وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة".

ولكن هل هذا التحريم بات كزواج الأمهات والبنات أو هو تحريم مثل تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فيباح عند الضرورة وخوف العنت؟

الذي رآه عامة الصحابة أنه تحريم بات حاسما لا رخصة فيه بعد استقرار التشريع. وخالفهم ابن عباس فرأى أنها تباح للضرورة. فقد سأله سائل عن متعة النساء فرخص له فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة أو نحوه؟ قال ابن عباس: نعم.

ثم لما تبين لابن عباس رضي الله عنه أن الناس توسعوا فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة، أمسك عن فتياه ورجع عنها

والله أعلم.

الإباحة عند الضرورة

واذا صدقنا أدلة النهي وحاولنا ان نجمع بينها وبين أدلة التحليل ، فاننا يمكن ان نصل الى رأي وسطي جديد لا نقول فيه بالتحليل المطلق كما يقول الشيعة ولا بالتحريم المطلق كما يقول السنة، وانما بالتحليل عند الضرورة وعند حصول العنت والمشقة الكبيرة.

وذلك لثبوت نزول الآية الكريمة رقم 24 من سورة النساء (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ فريضة من الله) في موضوع زواج المتعة، وليس في مطلق الزواج، كما روي عن جماعة من الصحابة، منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، أنهم قرأوا: (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى فآتوهنّ أجورهنّ فريضة) ، وفي ذلك تصريح بأن المراد به زواج المتعة ، وقد قال الرازي في تفسيره لهذه الآية: إن المراد بهذه الآية حكم المتعة. وأيدت ذلك الأحاديث النبوية التي أحلت المتعة، ولا يمكن رفع اليد عن تلك الآية وتلك الأحاديث المصرحة بالجواز الا بنسخ من القرآن الكريم او من السنة الثابتة المتواترة، وهذا ما لا يوجد ، اذ لا توجد آية ناسخة لها [10] ، ولا توجد أحاديث متواترة تؤكد التحريم المؤبد، اذ قد اختلف كبار الصحابة حولها وأصر بعضهم الى وقت متأخر على تحليلها، ورواية الامام علي بنهي النبي عنها في خيبر لا تفيد التأبيد، لأن النبي (ص) قد أحلها بعد ذلك في فتح مكة وفي حجة الوداع او ثنية الوداع، وان روايات النهي المتكرر الواردة حول الموضوع تفيد اصل الاباحة ولكن عند الضرورة وليس في الحالات الطبيعية، وهذا ما يفسر استمرار بعض الصحابة بالعمل بها وعدم سماعهم لقرار التحريم المؤبد من النبي الأكرم. وربما نستطيع ان نحمل نهي الخليفة عمر بن الخطاب عن زواج المتعة اعتمادا على انتفاء الحالات الضرورية [11] ، او خوفا من عدم التزام الناس بشروطها كالاشهاد [12] ، وليس تشريعا بالتحريم المؤبد ونفيا لأصل التحليل، ولذلك فقد قال:"إن كانتا - أي المتعتان- على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلالًا، وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما"كما يروي الامام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1 ص 52) [13] بينما كان تمسك بعض الصحابة بالتحليل تمسكا بأصل الاباحة، ولو كان ثمة تحريم قاطع من النبي لما خفي على ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وبقية الصحابة ولا حتى على الخليفة عمر نفسه الى أواخر عهده حين حرمها. وربما كان هذا ما يفسر قول ابن عباس لسعيد بن جبير: أنها كالميتة لا تحل الا للمضطر [14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت