وكانت دعوتهم بالتي هي أحسن: باللفظ اللين وبإيضاح الحجة والإيغال في البيان ونفي الشبهات ورد التساؤلات وتزييف الخرافات ونقض ساقط الاعتراضات بالأساليب اللائقة بالمخاطبين وبالطرائق المناسبة لذهنياتهم ونفسياتهم مع بعد عن التقعر والتنطع مما كانت العقول تتقبله والفطر السليمة تستسيغه. ولم يكن في الدعوة تعنيف ولا تشدد بل تفتح وسعة صدر ورقة في الأسلوب مع ضرب الأمثال وسرد البراهين وبيان المحجة بالحجة.
والمقصود بالغرب الآن هو هذا العالم المصنف عالما أول في التمدن والذي سبق المسلمين وغيرهم من الشعوب التي هي متخلفة في العلوم الحديثة والدنيوية أو تحاول أن تسير في طريق النمو فيها. فالغرب الأوربي والأمريكي ونضيف إليه اليابان قوة أولى شئنا أم أبينا تتحكم بما لديها من إمكانات وطاقات في حاضر العالم وربما في مستقبله القريب، وهي توجهه وتستحوذ على مقاليد أموره وتملي ما شاءت على من شاءت وتستطيع الغلبة على من ناوأها إما بالخداع والمكر وإما بحرب الكر والفر.
هذا الغرب في أمس الحاجة إلى سماع صوت الإسلام والتعرف عليه وإزالة الحجاب الغليظ الذي يفصله عنه لكي يلمس كنوزه ويثمن جواهره ودرره ويقدره حق قدره؛ ونحن المسلمين مسؤولون أمام الخالق سبحانه في أمر إيصال تعاليم دينه لهذا الغرب وتبليغه معنى وحي البارئ جل وعز.
والغرب القوي بماله واقتصاده وجنده وتقنية المتفوقة هو في الوقت نفسه ضعيف كل الضعف في جوانبه الإنسانية وفي بواطنه البشرية وفي أحاسيسه وشعوره ووجدانه وضميره فهو عاطل عن القيم والمثل التي ترفع من شأن الإنسانية لكونه اكتفى بالجوانب المادية في تقدمه السريع فامتلك هذه المادة التي سخرها الله له واستغلها في تحسين معيشته الدنيا بيد أن هذه المادة لم تجلب له الطمأنينة والراحة والسلامة والأمن ولم ترفعه للمقام العالي لكونه كافرًا بالإسلام غير مؤمن بوحدانية الرب سبحانه ولا بكتابه ولا بنبيه فتاه هذا الغرب وضل ضلالا بعيدا وانحرف وزهق وتعثر وانتشرت فيه الأمراض النفسية والجسدية ونخرت عظامه الآفات الاجتماعية ولم تفده الآلة إلا في إشباع البطن وإرواء غلة الجنس والانكباب على الشهوات البهيمية والنزوات الحيوانية.
فالغرب إذًا يحتاج إلى الإسلام حاجة المريض إلى الدواء والجائع إلى الغذاء والعريان إلى الكساء والخائف إلى الأمان، وليس ذلك موجودا إلا عندنا نحن أمة محمد صلوات الله عليه فالدعوة إلى الله في الغرب الآن واجبة علينا من وجوه عدة ليس هذا محل تفصيلها.
أما وجوب تجديد الدعوة فالمقصود به هو تجديد أساليبها وتحديث طرائقها والإبداع في وسائلها واختراع آليات جديدة في تفعيلها ودحض ترهات أعدائها والتغيير في أشكالها إذ لبها لا يتغير لأنها دعوة إلى (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بيد أن ما يحتف بهذا اللب من صيغ ولغات ونبرات وفقرات وأدوات واختيار الأزمنة والأمكنة والمناسبات وما يقدم وما يؤخر وما يؤكد وما يرخص فيه وما يصرح به وما يسكت عنه من الجزئيات والفروع كل ذلك هو الداخل في قولنا (تجديد الدعوة) تأصيلا وتفريعا.
الزمان تغير من حولنا والحياة تبدلت ولا يمكن في هذا العصر أن نبقى على المنوال الذي كان عليه الأجداد والأجيال فيما سلف من القرون. فلكل وقت خصوصياته ولكل بيئة ما يناسبها ولكل ظرف نوازله التي يجيب عنها فقهها المتجدد المستجيب لإشكالاتها غير المعهودة.
ونؤكد أن الدعوة الإسلامية في الغرب يجب على القائمين بها والساعين فيها أن يرتقوا بها إلى المستوى الذي يجعلها نافدة مسموعة مقبولة على العموم مصغى إليها مأخوذا بها ولو بمقدار، متعاملا معها من وسائل الإعلام على أساس أنها دعوة الخير والحق والفضيلة والصلاح.
ومن الجريمة إبقاء أسلوب الدعوة راكدا جامدا خامدا كما ورثناه عن أجيال سلفت من دون أن نتجشم عناء تعديله وتطعيمه بما يجعله فعالا ناجعا إزاء التحديات الخطيرة التي تحاصره من كل جانب.
إن تجديد الدعوة ليس إلا استجابة لتغيرات العالم المتسارعة. ومن البلاهة أن نجمد إزاء هذه الأعاصير والرياح والعواصف التي تهب بقوة من جميع الجهات، فإبقاء ما كان على ما كان حذو القذة بالقذة دليل على انطماس البصيرة وعلامة على الغباء والبلادة ويبوسة القريحة والجهل بالجغرافية المعاصرة والواقع الذي لا يرتفع، وبالتالي فإن رفض نفخ روح جديدة في أساليب الدعوة وصيغها يعد إفلاسا لدى القائمين بها والعياذ بالله.
وقد علمنا من خلال تاريخ المذاهب الإسلامية وتطور مدارسها الفكرية في العواصم العلمية للعالم الإسلامي والمهمات التي قامت بها عبر القرون الخوالي: أن الاجتهاد كان هو العاصم الأساس من قواصم الغارات الصليبية والمجوسية والإلحادية والتشكيكية لأساطين الكفر التي لم تفتأ تعاكس جند الله وتعرقل السبيل أمامهم في التبشير بالإسلام العظيم.
والاجتهاد كما استعمله وأخذ به فقهاء الأمصار وأئمة الأعصار أخذ به أيضا الدعاة على مختلف مراتبهم وتفاوت درجاتهم وذلك لاختيار الأنسب وانتقاء الأصلح من الصيغ والأساليب المؤدية إلى النجاح في هذه المهمة الصعبة.