ما يقتضيه المقصود بتجديد الدعوة على الحكمة والوسطية والاعتدال
والمقصود بتجديد الدعوة على الحكمة والوسطية والاعتدال يقتضي منا معرفة أضدادها:
فالحكمة يقابلها السفه والعبث وهما مرفوضان بالعقل والنقل فلا مكان لأمر أو نهي أو إرشاد بدون مغزى ولا محل لتعبد أو تبليغ بدون معنى، والنصوص مقدسة عن أن تكون فارغة من محتوى رفيع يهدف إلى إصلاح أحوال المتلقي، والعبد لم يكن مكلفا بالنص فهما وتطبيقا إلا لما في هذه النصوص من فوائد مؤكدة تعود عليه بالجدوى.
الحكمة كلمة أحسبها أوسع من مصطلح (المصلحة) وأسمى من مصطلح (معقول المعنى) فهي كلمة جامعة مانعة تعطي للقلب المتنور إحساسا بأنها مفردة جليلة تعني الخير والسداد والاصابة والفلاح والربح والهدف والأمر المنشود والغاية المتوخاة فكانت كلمة مباركة.
ثم تعني الحكمة: (الرفق) و (اللطف) و (الفهم) .
فالخشونة والغلظة والجفاء والتجهم والعبوسة والانقباض وأضرابها لا تنتمي لدائرة الحكمة.
والتشدد والانغلاق والتقعر والتطرف والمبالغة والتهويل كلها مفردات تبتعد عن الحكمة.
ونحن الآن مطالبون باستخدام الحكمة، التي لها وزن كبير في التنزيل الحكيم: {`tBur >N÷s?f spyJ?6?s?9$ o‰s)su u'IAre& Z yz Z? IW?2 3 } (1) ، وكان الطبيب عند العرب هو (الحكيم) .
وما أحوجنا الآن في جميع الأمور إلى معالجة الأحوال بـ (الحكمة) فهي علم وعمل وهي أيضا شعور يدفع المؤمن للتريث والتأني قبل التسرع في تصرفات لا تحمد عقباها.
والدعوة في ديار الغرب تحتاج إلى تخطيط وهو عين الحكمة، وتحتاج إلى الهدوء والسكينة وهو من الحكمة، وتحتاج إلى التبصر وقراءة العواقب وهما من الحكمة، وتحتاج إلى اللطف والرفق والشفقة وهي من الحكمة، وتتطلب الدراسة العميقة والاطلاع على أحوال القوم عن كثب ومعرفة واقعهم والمهارة في لسانهم وذلك كله من الحكمة.
والمقصود بالوسطية هو أن هذا الدين الحنيف عقيدة وشريعة وأخلاقا هو الأولى والأجدر والأخير والأفضل فينبغي التركيز على هذا الطابع الرباني للشريعة الإلهية مصدرا، العالمية شمولا واستغراقا، والتي لا تميز بالأجناس ولا تجازي بالعرقيات ولا تعتد بالعصبيات ولا تمجد بالدم والقبلية والعنجهية والتفاخر بالأنساب والأوطان ولا تكرم بالسطوة والجاه والأموال ولا تعتد إلا بأمرين جليلين هما الإيمان الصحيح والعمل الصالح (تقوى الله) :
وبالتالي فالوسطية في الدعوة هي التركيز على هذه المعاني السامية والأهداف النبيلة التي تكرم النوع البشري وتجعله خليفة لله في الأرض ليعمر هذا الكوكب مؤمنا بخالقه ومصدقا بلقاء سيده ومولاه ومجتهدا في الفضائل بعد الواجبات متنكبا عن عدوه الأصلي وهو الشيطان الذي يريد الزيغ بالآدميين ويبتغي لهم العوج في الفكر والسلوك.
إن الوسطية تدور حول انتخاب الأسمى والأرقى والألذ والأشهى والأطيب من مفاهيم هذه الدعوة ومضامين البلاغ وبالتالي تأخذ بحسبانها انتخاب كل معنى رائق فتقدمه للمتلقي على طابق من الأدلة والبراهين التي لا يرقى إليها الشك.
قال تعالى: { y7I9?x‹x.ur ?N?3»oYu=yey_ Zp¨Be& $VUy™ur } (3) وهنا الوسط خيار الشيء ولبه وأفضله وأطيبه.
والمقصود بالاعتدال هو أخذ الأمور دون تطرف ومبالغة وتهويل وتضخيم.
ونحن نلمز من الخصوم والأعداء وأيضا من الجاهلين بكوننا متطرفين حيث التطرف عندهم ما يشكل الخروج عن العادات الجاري بها العمل في مجتمعاتهم، فوجب الحذر الشديد من الوقوع في التطرف الحقيقي الذي ينهى عنه الله.
وبما أننا نبتغي بالدعوة النفاذ إلى القلوب والوصول إلى ضمائر الناس لكي يقتنعوا عن صدق بما نعرضه عليهم فإن العوائق التي تصدهم عن قبول البلاغ ينبغي إزالتها ليصفو المنهل ويتضح أمامهم المهيع ويستبين السبيل.
وهذه الأمور الثلاثة: الحكمة والوسطية والاعتدال تناقض تماما أضدادها من العبثية والتطرف والابتذال، وهذه الثلاثة الأخيرة من منابع الإجرام والحرابة والفساد في الأرض وهو ما يطلق عليه الآن مصطلح الإرهاب.
إنه لا مشاحة في الاصطلاح.
في الفقه الشرعي توجد مصطلحات (الحرابة) و (الإفساد في الأرض) و (البغي) ونحوها من المصطلحات المرتبطة بها والداخلة كلها في القتل العمد غير المسوغ بالميزان الشرعي وما ينضاف إليه من الجرح ومصادرة الأموال والإخافة والترويع وقطع الطريق وهدم العمران وتفجير وسائل السفر وتهديم المنازل وتهديد ووعيد للبرآء ونحوها.
وفي لغة الإعلام المعاصر حلت كلمة الإرهاب المترجمة عن كلمة Terrorismo على كل المنابر الإعلامية وفي كل الألسنة فصرت لا تسمع ولا تقرأ إلا لفظة الإرهاب في الإشارة إلى ما يحدث من عمليات إجرامية تودي بحياة البرآء المدنيين هنا وهناك داخل الوطن الإسلامي وخارجه.
فأصيبت في المغرب مدينة الدار البيضاء في 16 مايو 2003م وعانت الرياض بالمملكة العربية السعودية الشقيقة ما عانته بعد ذلك وكذا نالت إسطنبول حظها...إلخ.