وفي الغرب كانت عمليتا 11 سبتمبر 2001م في نيويورك و 11 مارس 2004م في مدريد، الأولى زعزعت الولايات المتحدة الأمريكية وأفضت إلى ما أفضت إليه من احتلال أفغانستان ولواحقه من ويلات أصابت العرب والمسلمين ومن نوائب وكوارث ما فتئت تهد أركاننا.
والثانية أزعجت إسبانيا ومن ورائها أوربا وستعقبها نتائج وخيمة نسأل الله العافية.
فهل الإسلام الرحيم يبيح دماء المدنيين البرآء؟
هل يجيز إزهاق أرواح من لا ناقة له ولا جمل في الأزمات السياسية العالمية أو المحلية أو في الصراعات المذهبية والاقتصادية المعقدة التي تمزق شمل العائلة البشرية شر ممزق؟
هل النفس البشرية رخيصة إلى درجة أن تزهق بلا جرم ولا سبب ويسكت علماء المسلمين؟
هل الوحي الإلهي يوافق على قطع الرؤوس وبقر البطون وبتر الأيدي والأرجل للآمنين الغافلين المدنيين المسالمين: للطفل الصبي دون فطام والعجوز الطاعنة في السن والمقعد بالمرض وسواهم من غير أن يشاركوا في عمل حربي تباح به دماؤهم؟
وهل أهل الذمة والمعاهدون من الكفار والمستأمنون لم يبق لهم عند المسلمين الآن عهد ولا ذمة وبالتالي يباح اغتيال بعضهم عشوائيا دون محاكمة شرعية ولا مدنية ولا توجيه اتهام ولا إدانة ولا تهمة ثابتة ولا نصب دفاع بل بمجرد هوى أو وقوع تحت طائلة الانتقام من حكوماتهم أو جماعات معينة في دولهم أو لوبيات أو ذوي نفوذ ظاهرين أو متسترين؟
هل الفوضى والتسيب وصلا إلى حد أن يفتى بهذه الفظاعات التي لا مرجعية لها، ويقال: إن الإسلام من ورائها أو إن بعض رموزه ومجاهديه وعلمائه يقفون وراء إصدار أحكام باسمه تهدر بها حقوق الناس في الحياة؟
هذه كلها أسئلة الجواب عنها لا يختص بها مجامع الفقهاء والموثوق بهم من أهل العلم والرصانة والعقل بل يعلمها بالضرورة كل واحد من سواد الأمة.
ومما لا شك فيه دون دخول في التفاصيل ولا الجري وراء الحوادث الجارية أن هناك خطوطا حمراء مجمعا عليها لا مجال فيها للاختلاف ولا مطعن في صدقيتها تؤكدها قواعد ومقولات تلقاها الخلف عن السلف بالقبول: التفقه فيها واستغلالها وتوظيفها فيما نحن يصدده من دراسة هذه الظاهرة تفضي إلى الإفتاء بتحريم الإرهاب وتجريم الإرهابيين ومنها:
1 -درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة عند تساويهما.
2 -المصالح العامة تقدم على المصالح الخاصة.
3 -إذا التقت مصلحتان ولم يمكن الجمع بينهما يؤخذ بأحسنهما وإذا التقت مفسدتان ولم يمكن دفعهما يرتكب أخفهما.
4 -قتل النفس البريئة يعد من السبع الموبقات وهو من أول ما يسأل عنه الإنسان يوم القيامة وإحياء نفس كإحياء كل الناس وقتل نفس كقتل كل الناس.
5 -حكم الحاكم في الأمور الخلافية بين العلماء يرفع الخلاف.
6 -يجنح إلى السلام وجوبا ما أمكن تفادي الصدام.
7 -الفتنة أشد من القتل.
8 -تغيير المنكر لا يجوز إذا تيقن إفضاؤه إلى منكر أكبر منه.
9 -التدرج في تغيير المنكرات واجب داخل مقتضى الحكمة والمصلحة.
10 -الأخذ بالأولويات والأحرويات من فقه الدعوة.
11 - { من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية } (4) (حديث شريف) .
هذه القواعد والمقاصد وغيرها إذا استقرئت تصب في اتجاه واضح وهو: تجريم إيذاء الأبرياء من الناس.
والإيذاء هو الظلم المحرم بالنصوص القطعية كما أنه محرم بالعقل والفطرة.
والظلم فيه قوله r { الظلم ظلمات يوم القيامة } (5) وقوله تعالى في الحديث القدسي: { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا } (6) .
وهذا الإيذاء هو المدعو الآن بالإرهاب الذي يرمي إلى تحقيق مكاسب سياسية عبر التضحية بأرواح المدنيين ومن هو خارج موضع النزاع الظاهر أو الخفي بين الفئة المستهدفة (بكسر الدال) والجهات المستهدفة (بفتح الدال) .
واليقين قائم على أن هذه الظاهرة وهي (الإرهاب) كما شرحناه مضرة بالعمل الإسلامي في الغرب كما هي مضرة بتماسك الأمة وانتظام أمرها وتنمية اقتصادها داخل دار الإسلام.
وهذا لا يعني بتاتا أننا نبرئ بعض المسؤولين على الشأن الإسلامي في الدعوة أو الدولة من تبعات هذه الظاهرة الخطيرة فليتحمل كل منهم مسؤوليته.
فكل مسؤول من أولي الأمر في سياساته وتصرفاته وأقواله وأفعاله قد يتسبب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في نشوء جرثومة الإرهاب إما بظلمه لنفسه ولغيره وإما بجهله وغفلته فالجهل مصيبة كبرى وطامة عظمى وآفة مميتة نسأل الله اللطف.
وعلى كل فنحن ندين الإرهاب كما وصفناه حيث نعرفه بأنه:
(أعمال أو أقوال تؤذي فكريا أو نفسيا أو جسديا أو ماديا الأبرياء من بني آدم يقوم بها شخص أو أشخاص أو جهة قصد تحقيق أغراض سياسية أو اقتصادية أو غيرها لا ناقة لهؤلاء الأبرياء ولا جمل في الظروف والأسباب التي حالت دون تحقيقها للشخص أو الأشخاص أو الجهة المنفذة لهذه الأعمال) .
وهذا التعريف هو الذي نظنه ينطبق على ظاهرة تشمئز منها النفوس وتنفر منها الطباع السليمة خاصة إذا أضيفت جهلا أو بتعمد لشريعة الله أي ظاهرة الإرهاب.