والحقيقة أن الإسلام الحنيف من مقاصده السامية تحريم كل أشكال الظلم والإيذاء والعدوان والطغيان سواء أصابت الإنسان أو الحيوان وعلى النقيض أوجب الإسلام إقامة العدل والتعامل بالقسط وحذر من إهانة الآدمي والتسلط على دمه أوعرضه أو ماله دون بينة شرعية واضحة وضوح الشمس.
ولما كانت الشريعة الرحيمة كفيلة بضمانة الحقوق كافة لبني آدم وصيانة حرياتهم وحماية ممتلكاتهم وإشاعة الأمن فيهم ودفع الخوف عنهم وجلب أسباب التعايش والتفاهم فيما بينهم؛ فإن تجاوز ضوابطها بتأويل فاسد أو تفسير مغرض أو لي أعناق نصوصها القطعية أو الظنية بنية سيئة وقصد فاسد: هوى يعد من أكبر الكبائر المسببة لشر مستطير.
الشطر الثاني
النموذج المطلوب في الدعوة الإسلامية المعاصرة بالديار الأندلسية والمناقض للأسس الفكرية والجذور الإيديولوجية لظاهرة الإرهاب
إن تطبيق ما سلف على الميدان الدعوي في الأندلس أمر مهم جدا فنحن نعلم أن هذه البلاد ظلت أكثر من ثمانية قرون إحدى قلاع الإسلام ومنارة تشع بالحضارة والمدنية وتطفح بالعلم والمعرفة في الغرب الإسلامي الذي قدم لأوربا خدمات لا تنكر وأسهم في تقدم الفرنجة بشكل لا يجحده منصف.
وبعد السقوط الرسمي لدولة الإسلام بغرناطة في 2 يناير 1492 (897 هجرية) ظل للمسلمين وجود ضعيف في شبه الجزيرة الإيبيرية بوصفهم أقلية جاهدت للحفاظ على هويتها المتميزة على رغم عمليات الاضطهاد الوحشية ومحاكم التفتيش البربرية إلى أن تم إجلاؤها على مراحل ظلما وعدوانا وقهرا من العدوة الشمالية فكان آخر إجلاء قسري ونفي جبري للبقية الباقية من الأندلسيين عام 1018 هجرية الموافق 1609 ميلادي.
ثم إنها لم تنطفئ بالمرة جذوة التوحيد من قلوب بعض أحفاد المدجنين الذين اختاروا البقاء بإسبانيا على مدى الأجيال المتعاقبة فكان من حين لآخر تظهر أمارة أو أكثر على وجود إسلامي في هذه الجهة أو تلك في هاتيك الديار من الفردوس المفقود.
ولما نشبت الحرب الأهلية الإسبانية 1936 - 1939 لمس الجنود المغاربة الذين زج بهم في آتونها الملتهب أن هناك بقايا من الإيمان في نفوس بعض الإسبان في قرى نائية وشعاب الجبال.
وبعد موت الجنرال فرانكو في نوفمبر 1975 وإعلان الدستور المعترف بحرية الأديان أقبل الكثير من الإسبانيين على الإسلام فرادى وجماعات، زرافات ووحدانا ومازالوا إلى الآن يدخلون في دين الله أفواجا وأفرادا فاهتدى منهم الجم الغفير؛ فالآلاف الآن منهم إخوان لنا في الإسلام في القطر المذكور.
كيف نضمن بتوفيق من الله U للدعوة الإسلامية في الأندلس الحماية من كل نزوع نحو التطرف والتشدد وكيف نصونها من كل علاقة مع الفكر المنغلق المظلم المتشائم الذي يمكن أن يفرخ بيضة الإرهاب كما سلف أن شرحناه؟
كيف نصون مراكزنا الإسلامية ومساجدنا هناك وجمعياتنا ومؤسساتنا الدينية من جميع الاختراقات التي يمكن أن تحدث لا قدر الله من جماعات تؤمن بالتكفير للعصاة حكاما ومحكومين أو تكفر بأسس التعايش السلمي ما بين الأقلية الإسلامية والأكثرية غير الإسلامية؟
هل بالإمكان القيام بالدعوة إلى الله وفق منهاج الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وفي الوقت نفسه احترام قيم غير المسلمين وثقافتهم وقوانينهم وعاداتهم؟
هل يمكن هناك الجمع ما بين المسؤولية الدعوية وبين الحقوق والواجبات التي تنظمها القوانين الجاري بها العمل في تلك الديار؟
إلى أي مدى (أصالتنا) تتعايش مع (معاصرتنا) ؟
إلى أي حد يتعايش (الإسلام) و (الديموقراطية وحقوق الإنسان) ؟
إننا نظن أنه من الممكن شرعا إن شاء الله المزاوجة بين الهوية والأصالة وبين ضرورات مسايرة المعاصرة ومستجدات بدايات القرن الواحد والعشرين من الألفية الثالثة.
وفي الفقرات الآتية: ما يضع النقاط على الحروف لاختيار الطريقة الأقوم للدعوة الإسلامية (نموذج الأندلس) والمانعة لكل احتمال بإمكانية الانحراف نحو التشدد والفهم السيئ المفضين بدورهما للإرهاب.
1 -يجب استخدام المستويين:
(أ ) النصوص الشرعية الثابتة.
(ب) المقاصد الشرعية.
وإهمال هذه الأخيرة كليا وإعمال الأولى فقط مما لا يساعد على وضوح الرؤية ومما يؤدي إلى فقدان المبادرة في الإفتاء في الفروع المستجدة والمحدثات المعاصرة المتسارعة التي تضغط على المسلمين هناك بثقلها وزخامة امتدادها وتحرج المؤمن بظروف وأحوال ومقامات: النصوص فيها إذا بترت من المقاصد العليا والمقاصد التي دونها تقصر عن تلبية الحاجة والإجابة عن الاستفهام وطمأنة الحائر وكشف اللبس وتهدئة الخاطر.
والأئمة والمفتون - مجتهدين ومقلدين - مدعوون إلى كثير من الحذر في التعاطي مع النوازل المستجدة والطوارئ المتغيرة والمتكررة التي تستوجب نفسا طويلا في المزج بين روح المعنى وحرفية النص.
إن الأقيسة والاستنباطات والاستقراءات ورعاية المصالح والأعراف والأحوط والدراية بالمقاصد من التشريع: كل ذلك يفيد في طمأنة الطالب للحق مفتيا وخطيبا ومدرسا.
والمراد أن النصوص وحدها مبتورة من السياق مجتثة عن المقاصد مؤولة بالتأويل الحرفي قد تولد الإحباط للمهاجرين أو فئات منهم.