وبالتالي قد تسبب لا قدر الله ردات فعل غير محمودة.
2-يجب عدم حمل الناس هناك على مذهب معين من المذاهب الأربعة لأن المهاجرين إلى الأندلس وأوربا عامة هم من مشارب مختلفة ومن مذاهب شتى. والخطيب والإمام والمؤلف مدعوون إلى مراعاة التنوع المذهبي للمهاجرين المسلمين وكذا للمهتدين درءًا للفتنة، ومن الأحوط أن لا يغالي الداعية في نصرة مذهبه على حساب المتلقين إن كانوا على مذهب غيره.
وهنا أذكر مثالًا على التهور في التدريس أن بعض الوعاظ المشارقة لا يراعون أن غالبية الجالية المسلمة بإسبانيا من المغرب وإفريقيا الشمالية والغربية وبالتالي أن غالبيتهم مالكيون وراثة ودراسة، فيدوس هؤلاء الوعاظ في جزئيات وفروع على ما استقر عليه العمل لدى المالكية فينشأ التشويش والانقسام والافتتان والقيل والقال وما يجر إليه التخليط من خلخلة العامة وشق صفوفهم وتفريق جموعهم. وهو أمر لا يبعد أن يكون أحد مكونات إحياء النعرات المذهبية المفضية بالتالي إلى الإرهاب الفكري الذي يفضي بدوره للإرهاب العملي لا قدر الله.
وهؤلاء الوعاظ يجنون من حيث لا يدرون فما كل ما يعلم يقال. ولكل مقام مقال.
وبما أن الفروع تتسع للمذاهب الأربعة والاجتهادات خارجها فإن الراجح والصحيح من الأيسر والأسلم والألطف هو الذي نوصي بالأخذ به ما دام مدونا في الفقه وذلك جمعا لكلمة المسلمين وتوقيا من تشتيت صفهم وثلم ركنهم وإذهاب ريحهم.
فكم من فتنة حدثت في الأندلس من المتعصبين لمذهب معين يأتون فيطلقون الكلام على عواهنه من غير أن يراعوا للمستمعين انتسابهم وانتماءهم المذهبي ولا مستوى ثقافتهم فيفسدون أكثر مما يصلحون في قضايا يضيقون حولها النطاق وقد وسعها شرع الله.
فهذه الجهات التي تبعث الوعاظ في المناسبات والمواسم أو توظف المرشدين الدينيين المقيمين أو تسجل أشرطة بالفيديو أو الأقراص المدمجة وتسوقها لدى الشباب المتعطش لدينه أو تنشر الحلقات المسلسلة عبر الفضائيات مع مقابلات واستجوابات، عليها أن لا تركز على مذهب واحد بعينه تجمد عليه خاصة في أمور حساسة تتسع لأكثر من العبادات وتتصل بالمعاملات وقضية الولاء والبراء ومسألة البيعة ونقضها ومسألة الحاكمية والجاهلية وقضية الحكم بالردة والزندقة وقضية الخلافة والإمامة ومسألة الشورى والديموقراطية ونظام الحكم.
فهذه أمور حساسة يجب على المفتي والمذيع والخطيب والمؤلف والإعلامي أن يكون على حذر فيها كما عليه أن لايخوض في خلافات علم الكلام التي عفى عليها الزمان توقيا من الفتنة.
فقد يثير الكراهية في النفوس تجاه وضع قائم أو مخالفين في المذهب أو نمط اجتماعي معين.
وما الإرهاب المادي إلا تجسيد للكراهية المتقدة في النفوس.
قبل المسدس والقنبلة: الإرهابي يحمل في قلبه ألف قنبلة ومسدسًا.
وذلك المتعالم المتفيهق هو الذي يبوء بإثم جمرة البغضاء إذا أحرقت نفس المستمع المغفل بفتوى عرجاء استندت إلى تأويل فاسد ورأي كاسد في مذهب معين في غيره مندوحة عنه.
فنحن إذا نوصي بتوسيع دائرة الأخذ من المذاهب المعتمدة لتتبع ما صح من الأيسر والأنسب والأسلم في الفروع المرتبطة بالحياة العامة التي يحتك فيها المبتلى بالإقامة بدار الغربة، بالأوضاع والأحوال المنافية للشرط الإسلامي.
3 -وجوب الاطلاع على ثقافة الآخر:
(ب ) الغريب كل الغرابة من يقتحم لجة الإفتاء والتوجيه الديني في الأندلس وهو لم يشم رائحة لثقافة الآخر الذي استضافه في أرضه وأباح له الإقامة في بلاده.
الدعاة هناك مطلوب منهم تحصيل الأدنى في معرفة اللغة القشتالية والإلمام بتاريخ الإسبان وجغرافيتهم وأصولهم وقوانينهم السائدة والتطور الذي يعيشون فيه. وذلك لأن إهمال ثقافة الآخر عامل أساسي في فشل الدعوة الصحيحة وبروز الأهواء الثائرة.
لقد رأينا كيف رد الإمامان الكبيران الشيخان أحمد بن تيمية وشمس الدين ابن قيم الجوزية رحمهما الله، على النصارى: الأول في كتاب ضخم (القول الصحيح) والثاني في (هداية الحيارى) ولم يكن الردان ليتما لولا اطلاع العالمين على ثقافة الآخر آنذاك.
والآن أستاذ بدرجة دكتور خريج جامعة إسلامية لا يفقه في (ثقافة الآخر) شيئا ولا يملك منها نقيرا ولا قطميرا، يبعث إلى مدريد أو برشلونة أو إشبيلية أو حاضرة أخرى وحوله تحلق جمع للإنصات لخطابه والرجل أمي أمية مفرطة في (ثقافة الآخر) .
كيف يفيد مثل هذا الرجل في تخريجاته وتأويلاته وأجوبته على نوازل وحوادث ووقائع بـ (أرض الآخر) فهو في موطن غير موطنه محكوم عليه أن يراعي الاختلافات بين أهله وهؤلاء (الآخرين) وإلا خبط خبط عشواء وسلك سبيلا معوجا على رغم حسن نيته وجميل طويته.
وبطبيعة الحال هذا الجاهل بـ (ثقافة الآخر ونفسيته) فاشل مقدمًا في درء خطر تكون بيضة أسباب الإرهاب.
4 -يجب الربط بين الإسلام (دينا) وبين الإسلام (حضارة) فالفصل بينهما في ديار الغرب نكسة ورجعى للوراء وعمل قاصر وسعي مبتور:
وكثير من الاتهام الموجه الآن إلينا نحن المسلمين ناتج عن هذا الفصل فـ (الآخر) قد يخاف من الإسلام (دينا) ولكنه لا يخاف من الإسلام (حضارة) .