مما لا شك فيه أن أفعال الله تعالى وأوامره تخلو من العبث بل لكل أمر هدف أو أهداف ومقاصد تدركها العقول أو لا تدركها و نحن في فقه الأقليات يلزم أن نرجع الى تراثنا الفقهي وسنجد أن فقهاءنا لا يكاد يخلو أحدهم من فقه المقاصد والتعليل إلا ما ورد عن ابن حزم ومدرسته الظاهرية لكن الجمهور يقولون بالتعليل والمقاصد وإن كان بعضهم كتب مشيرا أو مؤصلا أو منظرا لكن أغلبهم في التطبيق العملي عند الإفتاء والاجتهاد يأخد بالمصالح والمقاصد وإلا ما ظهر القياس وهو جوهر التعليل المحدد والمصالح وهو التعليل الموسع والاستحسان وسد الذرائع والحيل الشرعية وهى في مجملها تدور حول فقه المقاصد.
ولذا يبدو لي أن من الأهمية إعادة دراسة من كتب مشيرا أو منظرا مثل ما كتبه أبو منصور الماتريدي في مأخد الشرائع أو ما كتبه القفال الكبير أبو بكر في محاسن الشريعة وما كتبه أبو بكر الأبهري المالكي في مسألة الجواب والدلائل والعلل وما كتبه الباقلاني في الأحكام والعلل والمقنع في أصول الفقه وما كتبه الجويني في البرهان والغياثي وما كتبه الغزالي في المستضعف وشفاء العليل والإحياء والنحول وما كتبه فخر الدين الرازي في التفسير الكبير وما كتبه الآمدي في الأحكام في أصول الأحكام وما كتبه ابن الحاجب في منتهى الوصول والأمل في علمى الأصول والجدل وما كتبه البيضاوي في منهاج الوصول إلى علم الأصول وما كتبه الإسنوى في نهاية السول في شرح منهاج الأصول وما كتبه العز بن عبد السلام في شجرة المعارف وقواعد الأحكام في مصالح الأنام وما كتبه شهاب الدين القرافي في الفروق وما كتبه نجم الدين الطوفي في المصلحة رغم جنوحه أحيانا. وما كتبه ابن تيمية في الفتاوى وما كتبه تلميذه ابن القيم في أعلام الموقعين عن رب العالمين والطرق الحكمية في اصلاح الراعي والرعية وبدائع الفوائد وما كتبه ابن السبكي في جمع الجوامع بحاشية البناني وما كتبه وأصله وفرعه الإمام أبو إسحاق الشاطبيفي الموافقات والاعتصام وما كتبه الشوكاني في إرشاد الفحول ونيل الأوطار وما كتبه شاه الله الدهلوي.
وما كتبه الشيخ محمد عبده وتلميده الشيخ محمد رشيد رضا في المنار وما كتبه ابن عاشور في المقاصد الشرعية والتحرير والتنوير وما كتبه علاء الفاسي عن المقاصد الشرعية وما كتب على يد أعلام الفقه المعاصر مثل شيخنا أبي زهرة والخضري وعلى حسب الله والشيخ القرضاوي ود. عبد المجيد النجار ود. إسماعيل الحسني وأحمد الريسوني ود. يوسف العالم ود. طه العلواني ود. محمد البلتاجي وآخرون.
هده الثروة الهائلة تحتاج إلى دراسة ووعي وهضم يجعل للمقاصد مكانها في العبادات والمعاملات.
وإني هنا لا أفرق بين العبادات والمعاملات في فقه المقاصد وإمكانية إدراكه فقد تخفى على فقيه دون غيره لكن لكل مقصد قد تدرك كثيرا منه في المعاملات ويكون أقل في العبادات لكن عدم العلم لا ينفي الوجود ولذا لم يكن هناك بأس من صلاة التراويح في المسجد أيام عمر وجعلها عشرين وزادها سيدنا عثمان غلى ست وثلاثين وأحدث أذانا في الزوراء وجاز إخراج زكاة الفطر نقدا أو من غالب قوت أهل البلد وجاز في الرجم اختيار أيسر الأوقات للنساء والضعفاء وأصحاب العلات. لكن فقه المقاصد لا يعنى تجاوز نص قطعي في حكم جزئي لمخالفته في ذهن المجتهد مقصدا عاما بل الأولى إعمال النص لا إهماله والجمع وليس النسخ أو الترجيح من أول بادرة لأن المقصد الكلي أخد من نصوص جزئية ويستحيل تعارض الجزئي مع الكلي في النصوص الشرعية ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
ولعل أكثر الفقهاء الأول الذين جمعوا العمل بالنص في الأمر الجزئي والمقصد الكلي سيدنا عمر بن الخطاب حيث توقف في تقبيل الحجر الأسود والاصطباع والرمل مع النص ، وتوسع في الاجتهاد المقاصدي في سهم المؤلفة قلوبهم في مصادر الزكاة وقطع يد السارق في باب العقوبات والإلزام بالطلقات الثلاث ، ومنع أبي حديفة من الزواج بالكتابية ومنع توزيع أرض السواد وورث الأم الثلث الباقي بعد الزوج ليعطي للأب ضعف الأم والعول والمسألة المشتركة و... مما أجاب عنه أستاذي الدكتور محمد بلتاجي في منهج عمر بن الخطاب في التشريع في أن سيدنا عمر كان ممن ينحو نحو فقه المقاصد والمصالح في جميع الأحكام والأقضية.
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن حادثة صلاة العصر في بني قريظة كانت اجتهادا مقاصديا في أمر تعبدي فيه نص قطعي دلالة وثبوتا لكن الذين صلوا في الطريق هم سلف أهل المعاني والقياس والذين صلوا في بني قريظة هم سلف أهل الظاهر كما ذكر ابن القيم وهما نمطان فكريان وتبقى أن تجتمع القلوب مهما اختلفت العقول فإن اختلاف العقول ثراء واختلاف القلوب وباء.
الضابط السابع: مراعاة الأولويات وفقا للإمكانات الداخلية والظروف الخارجية: