هناك مغالاة في قضية المداهب بين من يدعو الى الغاءها"اسلام بلا مداهب"أو العصبية المدهبية في التقيد بآراء المذهب وإن كانت أضعف استدلالا، أو أبعد مناسبة للمتغيرات الزمانية والمكانية والوسط في كل شئ أعدله وهو التقريب بين المذاهب كما طرق الشيخ أبو زهرة في الوصية عند الجعفرية وذكر أن المذاهب مثل الجداول الصغيرة التى يجب أن تصب في نهر الأسلام الكبير، ومن الخطأ الكبير اعتبار المذهب هو الدين أو نهر الأسلام الوحيد والمسلمون مع تقارب الكرة الأرضية من بعضها حتى صارت مثل القرية الصغيرة أو الفندق الكبير لم يعد ممكنا ولا مقبولا بقاء مثل هذه العصبية المذهبية ونحتاج هنا أن نستحضر هذه الصور الحية في قبول الرأي الآخر منها ما يلي:
أولا: ما روى عن عمربن الخطاب أنه سئل عن أمر فرد السائل علي سيدنا علي بن أبي طالب فلما رجع بعد الاستفتاء سأله عن الجواب فأخبره فقال له: لو أفتيتك لقلت بغير هذا. فقال الرجل: وما يمنعك وأنت أمير المؤمنين؟ فقال سيدنا عمر: لو كنت أردك الى كتاب أو سنة لفعلت ولكن أردك إلى الرأى والرأي مشترك.
ثانيا: ما روى أن ابا حنيفة استفتى في مسألة لا نص فيها فأفتى برأيه فقال له السائل: أو ما تفتى به هو الحق الذي غيره الحق، أن نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنين"ولذا خالفه تلاميذه النجباء أبو يوسف واين أبي ليلى ومحمد بن الحسن الشيباني وخالف بعضهم بعضا وبقى اختلاف ثراء في العقول وليس وباء في القلوب."
رابعأ: ما استقر عليه العرف الفقهي من تعريف الاجتهاد بأنه بذل الفقيه أقصى جهده في استنباط حكم شرعي ظني. والظن لا يلغي حق الغير في اعادة الاجتهاد واستنباط حكم آخر.
5)صار من المعلوم من الواقع بالضرورة في بلادنا الإسلامية الأخذ من جميع المذاهب دون عصبية أو حساسية ومنه ما يلي:
أ-أخذت مصر والأردن وسوريا والمغرب بالوصية الواجبة من الفقه الشيعي الجعفري .
ب- أخذت أغلب الدول الإسلامية بترجيح ابن القيم وغيره في اعتبارالطلاق الثلاث في مجلس واحد طلقة واحدة ، خلافا لرأي الأئمة الأربعة مجتمعين.
ج- أخذت كثير من الدول بالحرمان من الميراث للقتل الخطأ خلافا لأغلبية الناس في بلادها الذين يتبعون المذاهب التي ترى أن القتل العدواني فقط هو المانع من الإرث، وذلك لشيوع الفساد والاحتيال في إخفاء قتل العمد.
د- صارت جميع المجامع الفقهية تعتمد الاختيار والانتقاء من المذاهب الثمانية ( الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والظاهري والزيدي والجعفري والإباضي ) ، فهل يبقى المسلمون في الغرب أو الشرق وهم أقلية بعيدا عن هذا التسامح واتساع الأفق . إن أية أقلية ستجد فيها جميع المذاهب ،ولذا يجب أن تسود روح التسامح في الأخذ بالأقوى دليلا والأنسب حالا من أي مذهب ، وقد يضطر المسلمون إلى الاخذ بالمذهب المرجوح لمصلحة أكبر ، ولذا ، لا يصح الإنكار على المجلس الأوربي للإفتاء في فتواه بجواز ميراث المسلم من غير المسلم ، مع موافقة ذلك لرأي معاذ بن جبل ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومحمد بن الحسن ، وسعيد بن المسيب ، ومسروق ويحيى بن يعمر وإسحاق بن راهوية وابن تيمية وابن القيم مع خلاف هذا لما اتفق عليه الأئمة الأربعة ، كما لا يصح الإنكار في الفتوى بجواز بقاء المرأة المسلمة لدى زوجها الذي لم يسلم لورود الخلا ف فيها وتحقق مصالح شرعية ودعوية عديدة ، وإن كان هذا خلاف الرأي السائد لدى جمهور الفقهاء.
الضابط التاسع: تبني فقه التيسير ومراعاة التدرج:
من خصائص الإسلام اليسر ، ومن قواعده رفع الحرج ومنع الضرر ، ومن سماته الرحمة ، وهذه يجب أن تبقى معالم وقواعد تحكم الاجتهاد مهما قيل إنه تساهل وترخص وتحلل من عروة الدين، لأن هذا هو جوهر الشريعة ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما ، ولم تكن هناك دلالة على مراعاةم اليسر قبل حادثة المحترق الذي جامع أهله في نهار رمضان ، والأعرابي الذي بال في المسجد ، وفي كل كانت كل خصائص الرحمة واليسر ورفع الحرج تتعامل مع الموقف ليس كحالة بل ظاهرة ، ومنهج في التيسير ورفع الحرج، بل جامع الرجل أهله ولم يقدر على الصوم شهرين أو الإنفاق والإطعام واكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"أطعم أهلك ولا تعد"، بعد أن أخذ قدرا كبيرا من التمر بعد كل ما فعله.
لعل هذا هو ماحدا بأستاذنا الشيخ العلامة الشيخ القرضاوي إلى استقراء التاريخ الفقهي ولاحظ أن أعلى درجات التيسير ورفع الحرج والتدرج كانت في فقه النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة من بعده ، وبدأ الأخذ بالاحتياط شيئا فشيئا حتى كادت أن تغلق بالاحتياط كل أبواب التسير، والأولى العودة إلى سلف الأمة وصدر عهدها.